أحدُها: أن يكونَ الشيءُ جواباً لسؤالِ سائلٍ سألَ بكلامٍ مَخْصوصٍ بإحْدى صِفَتَيِ الاسمِ، فيحصلُ الجوابُ على وَفْقِ سؤالِهِ، وعلى هذا تحملُ الشافعيةُ قوله - صلى الله عليه وسلم -:"لا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ والرَّضْعَتانِ".
الثاني: أن يَخُصَّهُ بالذِّكْرِ لأجلِ التَّفْضيلِ والتَّعْظيم، ومنهُ قولُ اللهِ - تَبارَك وتَعالى -: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36] ومنهُ قوله - صلى الله عليه وسلم -:"والزِّنا بِحَليلَةِ الجار"، ومنه:
{فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] .
الثالث: أن يُخَصَّ بالذكْرِ لكونهِ الغالبَ عليه؛ كقولِ الله - تبَارَك وتَعالى -: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء: 23] ؛ إذِ الغالبُ على الربيبَةِ كونُها في حِجْر زَوْجِ أُمِّها. ومثلهُ قولهُ - تَعالى -: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} [المائدة: 95] ؛ إذِ الغالبُ أن القتلَ إنما يكون عن عَمد.
الرابع: أن يُخَصَّ بالذكرِ لكونهِ مَحَلًّا صالحًا للمذكور، كقوله تعالى: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} [يس: 70] فخُصَّ الحَيُّ لِصَلاحيتِهِ لِقَبولِ النِّذارَةِ.
ومثلُه قولُه تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات: 45] .
القول في الحقيقة والمجاز
والحقيقةُ: هي: الكلامُ الباقي على وَضْعِه الذي وُضِعَ له، ولم يُعْدَلْ بهِ عنه.
وهي مأخوذةٌ من الحَقِّ، وهو الشيءُ الثابتُ الواجب، وهو أكثرُ القرآنِ العظيمِ؛ يقول الله الكريم تبَارَك وتَعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 2 - 4] .
والمَجازُ: مأخوذ من الجَواز، وهو العُبورُ، فتأويل قولنا: مجازٌ، أَي: إن الكلامَ الحقيقيَّ يمضي لسبيلهِ، ولا يعترضُ عليه، وقد يكون غيرهُ يجوزُ جوازَهُ لقربهِ منه، وهو من أوسَعِ لِسانِ العربِ مجالاً، وأحسنِها اسْتِعْمالاً، فلا يوجد لهمْ شعرٌ ولا نثرٌ إلا وفيهِ المجازُ، ولا يَحْسُنُ الكلامُ في استعمالهم إلَّا به.