المرأة وتغيير معتقدهم فيها ولا ينبغي أن ننسى مع ذلك أن تأثير هذه التعاليم في
أخلاق النساء أنفسهن قد أكسبهن ذلك الاحترام، فمن ذا الذي لم يسمع عن ربيعة
وآلاف غيرها من النساء الفضليات.
هذا، وإن من الشرائع التي جاء بها النبي في شأن النساء ما كان من إبطاله
عادة التزوج بشروط، وإنه إن يكن قد أباح الزواج المؤقت أولا فإنه حرمه في
العام الثالث من الهجرة، ولقد أعطى النساء فوق ذك حقوقًا ما كانت لهن من قبل،
وأهم تلك الحقوق ما كان من مساواته لهن بالرجال في تقلد وظائف القضاء بين
الناس، زد على هذا أنه قيد عادة تعدد الزوجات بقيود هي عين النهي المطلق،
فإنه، على كونه خفض عدد النساء اللاتي يصح للرجل التزوج بهن معًا إلى أربع
فقط، قد اشترط لذلك المساواة التامة بينهن تطبيقًا للآية الشريفة فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ
تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً (النساء: 3) ولقد كانت هذه الآية التي تلت آية الإذن بالتزوج
بذلك العدد [1] موضوع بحث المفكرين من علماء الإسلام في العالم أجمع، فإن
العدل والمساواة بين النساء ليس معناه المساواة بينهن في المأكل والملبس فقط، بل
يقتضي المساواة في الحب [2] والإخلاص لهن جميعًا، ولما كانت المساواة في
مسائل الشعور والإحساس هي عين المستحيل يكون هذا الشرط في منزلة المنع التام
للتزويج بأكثر من امرأة واحدة، ولقد أخذ بهذا الرأي فعلا طائفة المعتزلة في أيام
حكم المأمون، وعلموا الناس أن الإسلام يقضي بالتزوج بامرأة واحدة، وإنه إن
تكن المطاردات العنيفة التي طاردهم بها المتوكل قد وقفت انتشار هذه الآراء
الصائبة في العالم الإسلامي، فلا ريب في أن الطبقات المستنيرة من المسلمين ظلت
تعتقد أن تعدد الزوجات مخالف لتعاليم نبيهم الكريم كما هو مخالف المجتمع المدني
الحديث.
إن تعدد الزوجات تابع على كل حال لتطورات الزمان، ففي ظروف
مخصوصة وفي أحوال اجتماعية مخصوصة يكون تعدد الزوجات كما ذكرنا في أول
الفصل السالف لازمًا ومحتم الوجود لحماية النساء من الفقر الذي يجلب معه كل
رذيلة، والواقع أننا إذا استقصينا أسباب انحطاط الآداب المخيف في عواصم أوربا
(1) الصواب أن هذا الشرط جاء بعد الإذن في آية واحدة.
(2) العدل في الحب لا يجب لأنه ليس اختياريا وهلا استدل بقوله تعالى: (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ) (النساء: 129) .