وحكمه: أنه متى وردَ اللفظُ في كتابِ الله مُقَيداً، فهو على تقييده إلَّا أن يَدُلَّ دليلٌ على التسوية بينهُ وبين ما قُيدَ منهُ، وإذا وردَ مُطْلَقاً، فإنْ وُجِدَ دليل يقيدُه، وجبَ تقييدُه، وإلَّا فهو على إِطْلاقِهِ، وما جازَ أن يُخَصَّ بِه العامُّ، جازَ أن يُقَيَّدَ بهِ المُطْلَقُ.
لكنْ بقيَ هنا نوعٌ آخَرُ من التَّخْصيص، ويعبَّرُ عنهُ عندَ الأُصوليين بـ"حَمْل المُطْلَقِ على المُقَيَّدِ"، وهو في الحقيقَةِ غيرُ القِياس.
وحكمُهُ: أنه إذا وردَ أحدُ اللَّفْظَيْنِ مُطْلَقاً؛ والآخرُ مُقَيَّداً، نُظِرَ فيهِ:
فإنْ كانَ الحُكْمُ مُختلِفًا، لم يُحْمَلْ أحدُهما على الآخَرِ، مثلُ إيجابِ اللهِ - تعالى - غَسْلَ الأعضاءِ الأربعةِ في الوُضوءِ، وتركِهِ لذكرِ الرأسِ والرِّجْلَيْنِ في التَّيَمُمِ، فلا يُحْمَلُ أحدُهما على الآخَرِ.
فإنْ كانَ ذلكَ في حكمٍ واحدٍ، وسببٍ واحدٍ، حُمِلَ المطلَقُ على المقيَّدِ بالاتفاق، وذلكَ كتقييدِ اللهِ تعالى العدالةَ في شُهودِ الطَّلاقِ والوَصية، وإطلاقِها في البيع، فالعدالةُ شرطٌ في الجميع.
وإنْ كانا في حكمٍ واحدٍ وسببينِ مختلفَيْنِ، نُظِرَ في المقيدِ:
فإن عارضَهُ مقيَّدٌ آخَرُ في ذلكَ الحُكْمِ، لم يُحْمَلِ المُطْلَقُ على المقيَّدِ في واحدٍ منهما؛ إذْ ليسَ أحدُهما أولى منَ الآخَرِ، وذلك مثلُ الصَّومِ في الظِّهارِ، قيده بالتَّتَابُعِ، وفي المُتَمَتِّع قَيَّدَهُ بالتفريقِ، وأطلقَهُ في كَفّارة اليَمين، فلا يُحملُ المطلَقُ في اليمينِ على واحدة منهما.
وكذلكَ إذا تجاذبَ المُطْلَقَ ثلاثُ تقييداتٍ؛ كما ورد في نجاسَةِ الكلب، قيدهُ في رواية: بالأُولى، فقال:"أُولاهُنَّ بالتُّرابٍ"، وفي
رواية: بالأخرى، فقال:"أخْراهُنَّ بالتُّرابِ"، وفي روايِة:"أولاهُنَّ أَوْ أخْراهُنَّ"، وأطلق في روايةٍ فقالَ:"إحْداهُنَّ"، عُمِلَ بهذا المُطْلَقِ، ولم يُحْمَلْ على واحدٍ من المقيداتِ، ولا التفاتَ إلى ما توهَّمه الأسنوي واعتقده في هذه المسألة.
وإن لم يعارض المقيَّدَ مقيَّد آخرُ؛ كالرَّقَبَةِ في كَفّارة القَتْل، والرَّقَبةِ في كَفّارةِ الظِّهار، قُيِّدَتْ بالإيمانِ في القَتْلِ، وأُطْلِقَتْ في الظِّهار، حُمِلَ المُطْلَقُ على المُقيَّدِ عندَ الشافعيَّةِ، ولا يُحْمَلُ عليهِ عندَ الحَنَفِيَّةِ.