فذهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى أنَّ لكلِّ مطلقة مُتْعَةً، وتمسَّك بعمومِ قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} ، قال: وليسَ في تركِ ذِكْرِ التَّمَتعُّ في المُطَلَّقَةِ المَفْروضِ لَها قبلَ الدُّخولِ بها دليلٌ على أنه لا مُتْعَةَ لَها، بل لها نِصْف الفَرْضِ بهذهِ الآيةِ، ولَها المُتْعَةُ بالأخْرى، وتخصيصُها بالذكر في نصفِ الفرضِ لا يُخْرجها منْ عُمومِ الآية الأخرى. قال: وليسَ في الأمرِ بتمتيع المُطَلَّقَة قيلَ المَسيس - إذا كانَتْ غَيْرَ مَفروض لَها - دليل على أنَّ المُرادَ بالعُموم هؤلاءِ المطلقاتُ دونَ غَيْرِهِن.
وذهبَ بعضُهم إلى أنه لا مُتْعَةَ إلا للتي لم يُفْرَضْ لها إذا طُلِّقَتْ قبلَ المَسيسِ، وجَعلوا الآيةَ فيها مفسِّرةَ للآيةِ العامة.
وذهبَ بعضُهم إلى أن لِكُلّ مطلقةِ متعةً، إلا المفروضَ لها إذا طُلقَتْ قبلَ الدُّخول؛ لأن الله - جَلَّ جَلالُهُ - لم يجعلْ لها إلا نِصْفَ المَهرِ، واستدَلُّوا على سقوطِ المُتعةِ بالسكوتِ عن ذِكْر ما تَسْتَحِقُّهُ بالطَّلاقِ، وكأنه قيلَ: لا متعةَ لهَا، وخَصُّوا بها آيةَ المَتاعِ للمُطَلّقات.
والأصلُ الصحيحُ أن جميعَ ذلكَ ليسَ بدليلٍ، بل يُنظَرُ في غيرِ ذلكَ من الأدِلَّةِ، فَيُقْضى بهِ لأحَدِ هذه الأقاويل، وأما السكوتُ عن ذكرهِ، فليسَ بدليلٍ، وسنزيدُ ذلك وضوحاً إن شاء اللهُ تَعالى.
القولُ في المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ
المطلق: أن يَذْكُرَ اللَّفْظ مُجَرَّداً، ولا يَقْرِنَ به صِفَة، ولا شَرْطاً، ولا زَماناً، ولا عَدَداً، ولا ما أشبهَ ذلكَ من الصِّفات.
وهو نوعٌ من أنواعِ العُموم على سبيلِ البَدَلِ، لا على سبيل الاستِغْراق.
والمقيد: أن يَذْكُرَ اللَّفْظَ مَقْروناً بشيء من ذلكَ.
وهو نوعٌ من الخُصوص.
والإطلاقُ والتقييدُ عندَ العربِ من أحسنِ لِسانها، وأَعْلى كلامها.
مثالُ الإطلاقِ: قولُ امْرِئِ القيس: [البحر الطويل]
مُهَفْهَفَةٌ بَيْضَاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ... تَرَائِبُهَا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَلِ
فَشَبَّه ترائِبَهَا بالِمرْآةِ مطلقًا.
وقال آخر: [من الطويل]
وَوَجْهٌ كمرآةِ الغَريبة أَسجح
فَقَيَّدَ المِرْآة بالغريبةِ؛ لأن مِرْآتها أصفى وأنقى من غيرها؛ لضرورتها إليها حتى تُرِيَها ما تحتاجُ إليه؛ إِذْ ليسَ للغريبةِ منْ يتفقدُ مساوِئَهَا.