وحكي أن المغيرة بن شعبة لما ولي الكوفة سار إلى دير هند بنت النعمان وهي فيه عمياء مترهبة، فاستأذن عليها، فقالت: من أنت؟ قال: المغيرة بن شعبة الثقفي. قالت:
ما حاجتك؟ قال: جئت خاطبا. قالت: إنك لم تكن جئتني لجمال ولا مال، ولكنك أردت أن تتشرف في محافل العرب. فتقول: تزوجت بنت النعمان بن المنذر، وإلا فأي خير في اجتماع عمياء وأعور. وكان عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قد تزوج عاتكة بنت عمرو بن نفيل، وكانت من أجمل نساء قريش، وكان عبد الرحمن من أحسن الناس وجها وأبرّهم بوالديه. فلما دخل بها غلبت على عقله وأحبها حبا شديدا، فثقل ذلك على أبيه، فمر به أبو بكر يوما، وهو في غرفة له، فقال: يا بني إني أرى هذه المرأة قد أذهلت رأيك، وغلبت على عقلك، فطلقها، قال: لست أقدر على ذلك، فقال: أقسمت عليك إلا طلقتها، فلم يقدر على مخالفة أبيه فطلقها، فجزع عليها جزعا شديدا، وامتنع من الطعام والشراب، فقيل لأبي بكر أهلكت عبد الرحمن. فمر به يوما، وعبد الرحمن لا يراه وهو مضطجع في الشمس ويقول هذه الأبيات:
فوالله لا أنساك ما ذرّ شارق ... وما ناح قمريّ الحمام المطوّق
فلم أر مثلي طلّق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير شيء يطلّق
لها خلق عفّ ودين ومحتد ... وخلق سويّ في الحياء ومنطق
فسمعه أبوه فرّق له وقال له: راجعها يا بني، فراجعها، وأقامت عنده حتى قتل عنها يوم الطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابه سهم فقتله. فجزعت عليه جزعا شديدا، وقالت ترثيه:
فآليت لا تنفكّ نفسي حزينة ... عليك ولا ينفكّ جلدي أغبرا
فتى طول عمري ما أرى مثله فتى ... أكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنة خاضها ... إلى القرن حتى يترك الرمح أحمرا
ثم تزوجها بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته، ودعا الناس إلى وليمته، فأتوه، فلما فرغ من الطعام، وخرج الناس قال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين ائذن لي في كلام عاتكة حتى أهنيها، وأدعو لها بالبركة، فذكر عمر ذلك لعاتكة، فقالت: إن أبا الحسن فيه مزاح، فائذن له يا أمير المؤمنين، فأذن له، فرفع جانب الخدر، فنظر إليها فإذا ما بدا من جسدها مضمخ بالخلوق، فقال لها يا عاتكة:
ألست القائلة:
فآليت لا تنفك نفسي حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا