3 -ومثال الذي يَرِدُ عامًّا، ويُرادُ به الخاصُّ: قولُ الله - تبارك وتعالى -: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] الآية، وقد عُلِمَ ضرورةً: أنه إنما قالَ ذلكَ فريقٌ منَ الناسِ لفريقٍ منَ الناسِ تَخْويفاً بفريقٍ منَ الناس، ولكنه لمَّا كانَ اسمُ"الناس"يقعُ على ثلاثَةِ نَفَرٍ، وعلى جَميعِ الناسِ، وعلى مَن بَيْنَ جَميعِهِم؛ ومَنْ بينَ ثلاثَةٍ منهم، كانَ صحيحاً في لِسانِ العربِ أن يُقالَ: الذينَ قالَ لهُمُ الناسُ، وإن كانوا أربعةً، وما أشبهَ ذلكَ من هذا النوع، وهو أكثرُ منْ أن يُحْصى في كلامِهم.
4 -ومثالُ ما ورد أَوَّلُهُ عاماً ظاِهراً يُراد بهِ العُموم، وآخِرُهُ خاصًّا يرادُ بهِ الخُصوصُ: قَوْلُ اللهِ - تبَارَكَ وتَعالى -: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ
{تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] فكانَ مَعْلوماً أَنَّ فَرْضَ النِّصْفِ لِكُل مُطَلَّقَةٍ، ومعلوماً أن العفوَ إنَّما يصحُّ من بعضِ المُطَلَّقات، وهُنَّ البالِغاتُ الرشيداتُ.
ومثلُه قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228] فأولُها عامٌّ في كُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَدْخولٍ بها طَلاقاً بائِناً أو رَجْعِياً، والرَّجْعَةُ خاصَّةٌ بالمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ.
ومثلُه أيضًا قولُه تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: 8] , وذلك عامٌّ في المؤمِنَيْن والكافِرينَ، ثم قال: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت: 8] وذلك خاص بالكافِرينِ.