لقد قالوا: إنه في هذه الحال لا يصح أن يقع الطلاق إلا بإذن نم القاضي بعد بحث عن البواعث وتحر للوقائع ومناقشة ومجاوبة وإثبات ودفاع ، ونسوا أن شئون الأسر لا تجري الأمور فيها بالإثبات والكتاب حتى تكون فيها المخاصمة والمداعاة ، فهي علاقة في أصلها تجري بالود وما بين الزوجين لا يعلن بين الملآ من الناس ، ثم إذا لم يكن لدى الزوج من البواعث إلا البغض الشديد لزوجته ، والنفرة المستحكمة بينهما ، فهل يطلب إثبات باعث وراء هذا الباعث الخطير ، الذي يفسد كل علاقة زوجية ويذهب بكل الدعائم الصالحة التي يقوم عليها بنيان الأسرة ؟ وهل يطلب القاضي منه أدلة عليه ؟ وإذا كان المنطق والمعقول أن يترك أمر الإثبات وألا يبحث عن بواعث أخرى وراء هذا الباعث ، فلا جدوى إذن في كون الطلاق بين يدي القاضي وبأمره أو قوله ، وبين أن يطلق الزوج من تلقاء نفسه ، بل أن تولية الطلاق من تلقاء نفسه أحرى بالقبول ، لأن التدافع إلى القضاء يكشف الأسرار ويهتك الأستار ويثير ما لا يسوغ إعلانه ، ويتكلم الناس فيه بما لا يحسن بيانه.!
وقد يقول قائل: إن رفع الأمر للقضاء ولو كان مآل التطليق إلى أن يكون للزوج مخلصاً ، قد يدفعه إلى التريث بل إنه يكون تعويقاً وكل تعويق في هذا الأمر ينفع ولا يضر ، فإنه يدفعه إلى التفكير في أسباب البغض تفكيراً عميقاً ، وعسى أن يحدث الله بعد ذلك أمراً ، فتكون المحبة وتكون سحابة صيف تقشعت ، وإن لذلك القول وجاهته ولكن كشف الأستار بين الفضاء. وتحدث الناس بشأنها مما لا تقره العقول ، ولا ترضاه الطباع ، بل إن من شأنه أو يزيد البغض وليس من شأنه أن يخففه ، بل إنهما لو عادت بينهما الحياة من بعد لرتقها تذكر ما كان بين يدي القضاء من دعاوي ، وما جرى من أقوال ، ولقد سلك الإسلام طريقاً لتعويق الإنفصال وجعله في حال تعذر الاتصال توصل إلى النتيجة المؤكدة وهي ألا يكون طلاق من الزوج إلا عند استحكام النفرة.