ثانيهما: أن الزواج مع تحقق العدالة زواج صحيح، وليس بباطل لاستيفاء أركانه وشروطه، ولأن العقود تناط صحتها وفسادها بأمور متحققة، واقعة عند العدل، لا بأمور متوقعة، فالشخص عند الزواج، لا يتحقق ظلمه إنما يتحقق بعد ذلك، وربما لا يتحقق فيجئ ما ليس في الحسبان، ويعدل، ولكنه يكون آثماً إذا ظلم، كما يتحقق الإثم في كل ظلم، بل آثمه هنا مضاعف. لأنه ظلم أولاً، وتزوج وهو يعتقد أنه يظلم، فكان عاصياً من هذه الناحية ثانياً.
وإن المسلك الذي سلكته شريعة القرآن هو المسلك المستقيم، فلم تبحه بإطلاق، ولم تمنعه بإطلاق، وإن ذلك هو الذي يتفق مع عموم الرسالة للناس فس كل الأجيال وكل الأجناس، وكل الطبقات، فهي قد جاءت للجنس الأبيض، والجنس الأحمر، والجنس الأصفر، والجنس الأسود، ومن يسكن في البلاد الحارة, ومن يسكن في البلاد الباردة وأن الشريعة التي يكون لها ذلك العموم يكون فيها من المرونة والسعة ما يوافق كل الأمزجة، ولا يشق عليها، وما تعالج به كل الأدواء، ويجب أن تكون قيودها قابلة للسعة والضيق.
وإن ذلك المعنى واضح كل الوضوح في تعدد الزوجات، لقد أبيح عدد يجد فيه الزواج القادر على إقامة العدل رغبته، وقيّد في الإباحة بقيد لو شدد فيه لكان قريباً من المنع المطلق، ولو أرخى فيه لكان بين ذلك قواماً، ولو كانت الشريعة لأهل أوربا فقط - وهم الذين تمرست نفوس بعضهم بالزوجة الواحدة، لاستساغت نفوسهم في ظاهر الأمر المنع، ولوجدوا في شدة القيد ما ألفوه من أحكام الزواج، ولكن الإسلام خاطب الجميع ولا يزال في الدنيا ناس لا يعرفون إلا التعدد، وفي الدنيا نساء يفرحن عند دخول ضرة جديدة عليهن، لأنها تخفف عنهن أثقال
الخدمة، وتكون لهن الرياسة عليها، فهل يستسيع هؤلاء المنع المطلق.؟