وَأَمَّا الْإِمَاءُ فَلَمَّا كُنَّ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ مِنْ الْخَيْلِ وَالْعَبِيدِ وَغَيْرِهَا لَمْ يَكُنْ لِقَصْرِ الْمَالِكِ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنْهُنَّ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعَدَدِ مَعْنًى؛ فَكَمَا لَيْسَ فِي حِكْمَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ أَنْ يُقْصِرَ السَّيِّدُ عَلَى أَرْبَعَةِ عَبِيدٍ أَوْ أَرْبَعِ دَوَابَّ وَثِيَابٍ وَنَحْوِهَا، فَلَيْسَ فِي حِكْمَتِهِ أَنْ يُقْصِرَهُ عَلَى أَرْبَعِ إمَاءٍ، وَأَيْضًا فَلِلزَّوْجَةِ حَقٌّ عَلَى الزَّوْجِ اقْتَضَاهُ عَقْدُ النِّكَاحِ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْقِيَامُ بِهِ، فَإِنْ شَارَكَهَا غَيْرَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ بَيْنَهُمَا؛ فَقَصْرُ الْأَزْوَاجِ عَلَى عَدَدٍ يَكُونُ الْعَدْلُ فِيهِ أَقْرَبَ مِمَّا زَادَ عَلَيْهِ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ الْعَدْلَ وَلَوْ حَرَصُوا عَلَيْهِ، وَلَا حَقَّ لِإِمَائِهِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ لَهُنَّ قَسْمٌ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ: الْحِكْمَةُ فِي إبَاحَةِ التَّعَدُّدِ لِلرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ:"وَإِنَّهُ أَبَاحَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَرْبَعِ زَوْجَاتٍ، وَلَمْ يُبِحْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِأَكْثَرَ مِنْ زَوْجٍ وَاحِدٍ"فَذَلِكَ مِنْ كَمَالِ حِكْمَةِ الرَّبِّ تَعَالَى لَهُمْ وَإِحْسَانِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ وَرِعَايَةِ مَصَالِحِهِمْ، وَيَتَعَالَى سُبْحَانَهُ عَنْ خِلَافِ ذَلِكَ، وَيُنَزَّهُ شَرْعُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِ هَذَا، وَلَوْ أُبِيحَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ زَوْجَيْنِ فَأَكْثَرَ لَفَسَدَ الْعَالَمُ، وَضَاعَتْ الْأَنْسَابُ، وَقَتَلَ الْأَزْوَاجُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَعَظُمَتْ الْبَلِيَّةُ، وَاشْتَدَّتْ الْفِتْنَةُ، وَقَامَتْ سُوقُ الْحَرْبِ عَلَى سَاقٍ، وَكَيْف يَسْتَقِيمُ حَالُ امْرَأَةٍ فِيهَا شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ؟ وَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ حَالُ الشُّرَكَاءِ فِيهَا؟
فَمَجِيءُ الشَّرِيعَةِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ خِلَافِ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى حِكْمَةِ الشَّارِعِ وَرَحْمَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِخَلْقِهِ.