وَأَمَّا قَوْلُهُ:"وَقَصَرَ عَدَدَ الْمَنْكُوحَاتِ عَلَى أَرْبَعٍ، وَأَبَاحَ مِلْكَ الْيَمِينِ بِغَيْرِ حَصْرٍ"فَهَذَا مِنْ تَمَامِ نِعْمَتِهِ وَكَمَالِ شَرِيعَتِهِ، وَمُوَافَقَتِهَا لِلْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّ النِّكَاحَ يُرَادُ لِلْوَطْءِ وَقَضَاءِ الْوَطَرِ، ثُمَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ سُلْطَانُ هَذِهِ الشَّهْوَةِ فَلَا تَنْدَفِعُ حَاجَتُهُ بِوَاحِدَةٍ، فَأَطْلَقَ لَهُ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَرَابِعَةً، وَكَانَ هَذَا الْعَدَدُ مُوَافِقًا لِعَدَدِ طِبَاعِهِ وَأَرْكَانِهِ، وَعَدَدِ فُصُولِ سَنَتِهِ، وَلِرُجُوعِهِ إلَى الْوَاحِدَةِ بَعْدَ صَبْرِ ثَلَاثٍ عَنْهَا، وَالثَّلَاثُ أَوَّلُ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ، وَقَدْ عَلَّقَ الشَّارِعُ بِهَا عِدَّةَ أَحْكَامٍ، وَرَخَّصَ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ بِمَكَّةَ ثَلَاثًا، وَأَبَاحَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَجَعَلَ حَدَّ الضِّيَافَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ أَوْ الْمُوجِبَةِ ثَلَاثًا، وَأَبَاحَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحُدَّ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا ثَلَاثًا، فَرَحِمَ الضَّرَّةَ بِأَنْ جَعَلَ غَايَةَ انْقِطَاعِ زَوْجِهَا عَنْهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يَعُودُ؛ فَهَذَا مَحْضُ الرَّحْمَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ.