فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين اثنتين، وإن شئتم ثلاثا ثلاثا، وإن شئتم أربعا أربعا.
ولو كان هذا محمولا على ظاهره لقيل: تسع، عوض من ثلاثة أشياء، لأنّ الإيجاز تقليل الكلام من غير إخلال، وإذا كان المعنى يمكن أن يعبّر عنه بألفاظ قليلة، ويعبّر عنه بألفاظ كثيرة، فالألفاظ القليلة إيجاز، فقول القائل: لي عند زيد عشرة، أوجز وأخصر من قوله: لي عنده خمسة وثلاثة واثنان، في موضع: لي عنده عشرة.
وبلاغة القرآن أعلى طبقات البلاغة إذ هو معجز.
وقد قال بعض العلماء: البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ. فأعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن، ولم يبح التزويج بتسع إلّا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنّه أبيح له الجمع بين هذا العدد، وهو أحد خصائصه، عليه السّلام.
وإعرابها:
الفاء جواب الشرط في قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ}
و {مَا طَابَ لَكُمْ} : (ما) في موضع نصب ب (انكحوا) .
و {مِنَ النِّسَاءِ} : متعلّق ب (انكحوا) .
و (ما) يجوز فيها وجهان:
أحدهما: أن تكون خبرية بمعنى (الذي) ، و (طاب) صلتها، و (لكم) متعلّق ب (طاب) ، وهي على تقدير الصفة، لأنّ (ما) إذا كانت صفة صلحت لمن يعقل، ثمّ تقام الصفة مقام الموصوف. وقال بعض النحويين: المؤنث من العقلاء يجري مجرى ما لا يعقل.
والثاني: أن تقدّر (ما) تقدير المصدر، أي: فانكحوا الطيّب من النّساء، وهذا على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. أي: فانكحوا ذوات الطيّب لكم، أي:
ذوات الحلّ لكم، لأنّ معنى قوله سبحانه: {مَا طَابَ لَكُمْ} ، أي: ما حلّ لكم، ثمّ حذف المضاف.
{مَثْنى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} : في موضع نصب على البدل من (ما) . ويجوز أن يكنّ في موضع الحال من (ما) ، لأنّها بمعنى (الذي) .
واختلف في العلّة المانعة لهذه الأسماء من الصرف. قيل: المانع لصرفها الصفة والعدل، وقيل: العدل والجمع. وهذا العدل، أعني عدل النكرة عن النكرة، مختص بالعدد. والمسموع عن العرب العدل من واحد إلى أربعة، كما جاء في القرآن. وربّما جاء فيما دون ذلك نادرا.
قال الكميت:
فلم يستريثوك حتى رمي ... ت فوق الرجال خصالا عشارا
وهذا النوع لا ينصرف في معرفة ولا نكرة.
والله أعلم بالصواب. انتهى انتهى {مسائل منثورة في التفسير والعربية والمعاني، لابن بري} ...