وأما غير النابغين منهم فإن الدين يمنعهم من نكاح أكثر من واحدة ، لئلا يكثر نسلهم ، قال الله تعالى في كتابه المبين يخاطب المؤمنين: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مّنَ النّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} الخطاب في هذه الآية لعموم الأمة ، فهي تأذن لكل أحد من المسلمين أن يتزوج بأكثر من واحدة من النساء إلى أربع ، إذا آنس من نفسه القدرة على العدل بينهن ، وإلا وجب عليه الاقتصار على واحدة لئلا يجور عليهن .
والقدرة على العدل بين أربع من النساء ، متوقف على عقل كبير وسياسة في الإدارة وحكمة بالغة في المعاملة ، لا تتأتى إلا لمن كان نابغة بين الرجال ، ذا مكانة من العقل ترفعه على أقرانه ، والرجل النابغة ، إذا تزوج بأكثر من واحدة ، كثر نسله فكثر النوابغ .
والشعب الذي يكثر نوابغه أقدر على الغلبة في تنازع البقاء من سائر الشعوب ، كما يدلنا عليه التاريخ .
ثم خاطب الله ، في مكان آخر ، الخائفين أن لا يعدلوا بين الناس ؛ وهم غير النوابغ من المسلمين ، بقوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ} .
فأمرهم في هذه الآية ، التي هي في المعنى تتمة للأولى ، أن لا يقترنوا بأكثر من واحدة لأنهم في درجة من العقل هي دون درجة النابغين ، لن يستطيعوا معها إتيان العدل بين النساء ، المتوقف على عقل كبير يسهل لصاحبه أن يرضيهن جمعاء ، كما يأتيه النابغون والدهاة من الناس ، وحرم على هؤلاء ، الذين لم يجوزوا المقدرة على العدل ، التزوج بأكثر من واحدة ، لئلا يقع سلم الارتقاء ، ولئلا يكثر نسل غير النابغين ، وهو الأهم ، فتبقى الأمة في مكانها من الانحطاط .