قلت: أما قوله:"إنها مضادة للروحانيات"فباطل بالأنبياء، إذ هم أعظم البشر روحانية، وكانوا يستعملون هذه اللذة، وكل ما ذكره في هذا الفصل باطل والحق خلافه، بل هذه اللذة إذا استعملت على الوجه الحلال قصدا لا إفراط ولا تفريط، وقصد بها إعفاف الدين وتحصين الدين والفرج.
والتفرغ من قلق الشبق، لطاعة الباري في النهار والغسق، كانت أفضل من عبادات كثيرة.
ولهذا قال بعض علماء المسلمين"إن التشاغل بالنكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادة، حسما لمادة فساد الدين بالزنا ونحوه".
وأما ترجيح الروحانيات عند أصحابها، فلأنهم لا يحصلونها إلا بعد قهر الطبيعة برياضة البدن وكسر شهوته، وإضعاف قوته بصيام الهواجر، وقيام الدياجر، حتى تقوى قوى النفس على البدن، وحينئذ يصير تركهم لضعفهم عنه، لا لما أرادوا.
ولو كان ما ذكر صحيحا لوجب حين استعلن الله لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وتجلى لموسى وناجاه، إن كانوا يطلقون نساءهم، لا يجتمعون بهن أبدًا.
قال:"فقد بان بأن اللذة اللحمية ينبغي أن تبقى بحسب استطاعة الطبيعة وإذا كان الواجب أن تبقى، فأولى أن لا يعمل شيئا لاجتلابها، فينبغي أن تعدل وتقمع حيث لا يستطاع أن تبقى على كل حال".
قلت: المسلم له من هذا وجوب إبقاء الحرام، وما ينهك البدن أما غيره فلا، وهذا كلام في الريح.
قال: فينبغي أن لا نكثر الزوجات والجواري، بل يقتصر على واحدة ويكون قصده تحصيل الروحانيات"."
قلت: هذا حاصل ما ذكره بعدما سبق في كلام مخبط متهافت.
واعلم: أن النكاح بالغا ما بلغ منه الإنسان لا يشغل عن الروحانيات لمن له نية صادقة، ونفس صافية وهمة عالية.
قال:"ويقال أيضا: الشهوة اللحمية إما أن يقال: ينبغي أن تقمع أو لا يقال؟"
فإن قيل لا ينبغي أن تقمع، لزم أن تبقى الطبيعة الإنسانية ذاهبة في كل نجاسة ولواط وبهيمية.
وإن قيل: ينبغي أن تقمع لكن باستعمال النساء والجواري الكثيرة كما قال محمد، فهو مردود بوجوه:
الأول: أن الشهوة مشتركة بين القبيلين، فينبغي أن يكون للمرأة أزواج كما للرجل زوجات، ولم يقل به أحد.
الثاني: أن المرأة إلى الزنا أقرب إلى الرجل لوفور شهوتها ونقصان عقلها فمن احتاط للرجل بكثرة النساء بحيث إن كانت واحدة مريضة أو عاقرا لا تحمل، وجد الأخرى صحيحة تحمل، لزمه أن يجعل للمرأة أزواجا بحيث إن كان أحدهم مريضا أو غائبا وجدت الآخر يصونها عن الزنا.