قوله:"هي في نفسها خسيسة ردية مهلكة"إن أراد بخستها قبح صورتها طبعا، ورد عليه حالة البول والتغوط، بل حالة الأكل لأنها سببهما، ولا يقال هذه الأحوال ضرورية طبعا، لأنا نقول مثله هناك، إذ النكاح ضروري من حيث الطبيعة والشهوة يتأذى بتركه الدين والبدن، كما سبق.
وقوله:"إن أراد إهلاك الدين بالتتابع فيها"فذلك إنما هو في الحرام لا الحلال، وإن أراد هلاك البدن بإضعافه فذاك يتقدر بحسب اختلاف المروءات والعقود والمحمود منه: القدر التوسط، الذي لا ينهك البدن بكثرته ولا يفضي إلى إنهاك الدين بالإقلال منه.
ويحكى:"أن أبا مسلم الخراساني كان لا يأتي النساء في السنة أكثر من مرة. ويقول: هذا جنون. فأكثر من مرة لا يكون".
قلت: ويغلب على ظني أنه قد كان به علة مانعة، أو فكرة شاغلة.
فإن قيل: فمحمد كان أولى بهذا التماسك من أبي مسلم لفضيلة منصب النبوة وفكرته في الجهاد، وإقامة الدين، وكمال معرفته بأحكام الآخرة؟
قلنا: كذلك كان، ولهذا قالت عائشة:"كان أملككم لأربه"لكنه لو بالغ في التماسك عن هذه الشهوة، لشق على أمته التأسي به"فإنه كان يطيق ما لا يطيقون، فكان يلزمهم الحرج، وذلك ينافي نصوص الشريعة برفع الحرج فكثر منه، دفعا للحرج عن أمته، وأيضا فإنه كان مشرعا معلما، كما قال:"إنما بعثت معلما""
وعلم أن في صورة هذا الفعل ما تحتشمه النفوس وتنجيه منه، فجزاهم عليه بإكثاره منه فعلاً وقولاً، لئلا يتقاصروا عنه أحيانا أو يقدموا عليه على وهم وإبجاش فيحرجوا بذلك، فأرد أن يوسع عليهم المجال في الحلال، ويخالف أهل الزور
والمحال، النصارى الضلال.
قوله:"إنها كالخمر تسكر الذهن الإنساني وتذهب قوته".
قلنا: إن صح هذا فهو الإكثار منها لا مطلعها، على أن الإنسان إذا داوم تركه بعد اعتياده يجد لذلك ثقل بدن وكرب وانقباض يورثه بلادة ووسواسا ويحصل له بفعله انشراح وانبساط، ولذلك هو أكبر دواء العشاق، كما ذكره الأطباء.
قال:"ولأنها مضادة لأنواع السرور الروحانية العلية، فهي تصرف النفس بالكلية عنها، إذ يفسد ذوق القلب، فلا يستطيب شيئا من الخبز كما في العكس، وهو أن الذين يستطيبون الأمور الروحانية الأزلية لا يستطيبون اللذات الجسدانية بل يكرهونها ويهربون عنها".