قوله:"وخلقت من ضلعه ليتبين بذلك تأييد الصحبة بينهما كتأييدها بين أعضاء الجسد".
قلت: ليس ذلك لهذه العلة بل لما ذكر في القرآن من قوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) وهذا لا يقتضي تأييد الصحبة، وترك الرجل أباه وأمه، ولزوم زوجته لا يقتضي أيضا ذلك، بل سببه المودة والرحمة بينهما، وذلك مشترك بين المرأة الواحدة والزوجات.
وأما إنكاره جواز الطلاق، فإنما استفادوه مما حكوه عن المسيح في الإنجيل في الفصل الأربعين من إنجيل متى أن الفريسيين قالوا للمسيح ليجربوه:"هل يحل للإنسان أن يطلق امرأته لأجل كل علة؟ فقال لهم: أما قرأتم: أن الذي خلق في البدء خلقهما ذكرا وأنثى؟"
ومن أجل ذلك يترك الإنسان أباه وأمه، ويلتصق بامرأته، ويكونان كلاهما جسدا واحدا"؟ وما جمعه اللّه لا يفرقه الإنسان."
قالوا له: لماذا موسى أوصى أن يعطى كتاب طلاق
وتخلى قال: لأن موسى علم قساوة قلوبكم فأوصاكم أن تطلقوا نساءكم، ومن البدء لم يكن هذا، وأقول لكم: من طلق امرأته من غير زنا فقد ألجأها إلى الزنا، ومن تزوج مطلقة فقد زنا"."
لكن الجواب عنه من وجوه:
أحدها: الجواب العام، وهو عدم الوثوق بالإنجيل.
الثاني: بتقدير الاحتجاج بالإنجيل. لكن هذا الكلام بعينه متهافت فلا تليق نسبته إلى المسيح (1) وسنبين وجه تهافته.
الثالث: الجواب من حيث التفصيل.
أما كونه خلقهما ذكراً وأنثى، وأن الإنسان شديد الألفة بامراته، فلا يقتضي عدم جوار الطلاق ولا يناسبه وأما قوله:"ما جمعه الله لا يفرقه الإنسان"فنقول:
أولا: الجمع بين الزوجين ليس حقيقيا كاجتماع بدن الإنسان ونحوه، وإن سلمناه فهو عام مخصوص بصور كئيرة كتفريق أعضاء البدن لمصلحة العقوبة وغيرها، وأما قوله:"لم يكن هذا في البدء"فلا يدل على ذلك أيضا لجواز النسخ (2) .
وأما اعتذاره عن تجويز موسى الطلاق لعلمه بقساوة قلوبهم إلى آخره. فالمناقشة عليه من وجوه:
أحدها: أن قساوة قلوبهم إن كانت مقتضىة لجواز الطلاق، فلم لم يجزه المسيح أيضا لذلك، ولعل محمدًا عليه السلام أجاز الطلاق توسيعا على قساة القلوب من أمته.
فإن قلتم: نسخ ذلك في دين المسيح.
(1) لو أن المؤلف رحمه الله قرأ كلام المسيح كله حسبما هو مدون في الأناجيل لعلم من الكلام: أن المسيح أباح الطلاق - عن أمر الله - كما أباحه موسى في التوراة - عن أمر الله - ولا فرق.
يقول المسيح: إني أنصح الرجل أن لا يطلق أمراته لأي سبب حتى ولو كان تافها، بل أنصح بالطلاق لسبب قوى جدًا، ولا أقوى
من الزنا سببا، وكان في عهد المسيح علماء من اليهود يبيحونه لأى سبب، وعلماء يبيحونه للزنا فقط، فقدم المسيح نصيحته لا للإزام بل للإرشاد والنصحية، وعلل ذلك بأن العادة جرت في الناس بالرغبة في نكاح
الأبكار، وتقل الرغبة في الثيبات والأرامل، وإذا قلت الرغبة نفذ صبرهن، وإذا نفذ الصبر أحكم الشيطان وساومه، وتبريرنا لوجهة نظر المسيح قائم على أمور منها: النص نفسه، وفي آخره يقول:"من استطاع أن"
يقبل فليقبل"متى 19: 13"فالأمر للإرشاد والنصح لأن النص على سبيل التخيير لا الإلزام، ومنها: أن المسح صرح في الإنجيل بأنه غير ناسخ للتوراة، وعليه يكون مقرًا تمام الإقرار بما أتى به موسى ابن عمران
لقد قال لأتباعه:"على كرسى موسى جلس الكتبة والفريسيون، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوها"متى 23: 2 - 3"فقد أحال أتباعه إلى علماء اليهود، ومنهم من يؤمن به، ومنهم من لا يؤمن"
به. ولو كان المسيح مكملا لشريعة موسى كما يدعى النصارى، وهذا باطل - لكان معنى التكميل أن يقر حكم موسى في الطلاق وسائر الأحكام أولا، ثم بعد ذلك بذكر التشريعات التي يريد أن يكمل بها شريعة
موسى. كإنسان يريد إكمال بيت من البيوت يترك القائم من أساس البيت ويضيف عليه، وعلى قولهم زورا بالتكميل، وعلى قولنا حقا بالتصديق فقط دون التكميل ثبت أن المسيح أباح الطلاق لكن بسبب قوي جدا
هو الفاحشة المبينة.
(2) المسيح غير ناسخ للتوراة. بل مصدق للتوراة ومبشر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والناسخ للتوراة هو محمد - صلى الله عليه وسلم.