حديث آخر في ذلك: روى أبو داود وابن ماجه في سننهما من طريق محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن حُمَيضة بن الشَّمَرْدَل - وعند ابن ماجه: بنت الشمردل، وحكى أبو داود أن منهم من يقول: الشمرذل بالذال المعجمة - عن قيس بن الحارث. وعند أبي داود في رواية: الحارث بن قيس بن عميرة الأسدي قال: أسلمت وعندي ثماني نسوة، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"اختر منهن أربعا".
وهذا الإسناد حسن، ومجرد هذا الاختلاف لا يضر مثلُه، لما للحديث من الشواهد (1) . انتهى انتهى. {تفسير ابن كثير حـ 2 صـ 209 - 211}
فصل
قال الفخر:
للشافعي رحمه الله أن يحتج بهذه الآية في بيان الاشتغال بنوافل العبادات أفضل من النكاح، وذلك لأن الله تعالى خير في هذه الآية بين التزوج بالواحدة وبين التسري، والتخيير بين الشيئين مشعر بالمساواة بينهما في الحكمة المطلوبة، كما إذا قال الطبيب: كل التفاح أو الرمان، فإن ذلك يشعر بكون كل واحد منهما قائما مقام الآخر في تمام الغرض، وكما أن الآية دلت على هذه التسوية، فكذلك العقل يدل عليها، لأن المقصود هو السكن والازدواج وتحصين الدين ومصالح البيت، وكل ذلك حاصل بالطريقين، وأيضاً إن فرضنا الكلام فيما إذا كانت المرأة مملوكة ثم أعتقها وتزوج بها، فههنا يظهر جدا حصول الاستواء بين التزوج وبين التسري، وإذا ثبت بهذه الآية أن التزوج والتسري متساويان.
فنقول: أجمعنا على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري فوجب أن يكون أفضل من النكاح؛ لأن الزائد على أحد المتساويين يكون زائد على المساوي الثاني لا محالة. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 143 - 144}
(1) سنن أبي داود برقم (2242، 2241) وسنن ابن ماجه برقم (1952) ورجح المزي أن اسمه"قيس بن الحارث".