ويقابل هذا النظر في النهي نظر آخر في الأمر، وهو أنه تارة يخص صورة الأمر الأدنى تنبيهاً على الأعلى، وتارة يخص صورة الأعلى لمثل الفائدة المذكورة من التدريب، ألا ترى إلى قوله تعالى بعد آيات من هذه السورة: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ} [النساء: من الآية 8] الآية، كيف خص صورة حضورهم وإن كانت العليا بالنسبة إلى غيبتهم، وذلك أن الله تعالى علم شح الأنفس على الأموال، فلو أمر بإسعاف الأقارب واليتامى من المال الموروث ولم يذكر حالة حضورهم القسمة، لم تكن الأنفس بالمنبعثة إلى هذا المعروف كانبعاثها مع حضورهم، بخلاف ما إذا حضروا، فإن النفس يرقّ طبعها وتنفر من أن تأخذ المال الجزل وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد، فإذا أمرت في هذه الحالة بالإسعاف هان عليها امتثال الأمر وائتلافها على امتثال الطبع، ثم تدربت بذلك على إسعاف ذي الرحم مطلقاً حضر أو غاب.
فمراعاة هذا وأمثاله من الفوائد لا يكاد يُلْقَى إلا في الكتاب العزيز، ولا يعثر عليه إلا الحاذق الفطن المؤيد بالتوفيق، نسأل الله أن يسلك بنا في هذا النمط، فخذ هذا القانون عمدة، وهو: أن النهي، إن خص الأدنى فلفائدة التنبيه على الأعلى، وإن خص الأعلى، فلفائدة التدريب على الانكفاف عن القبح مطلقاً من الانكفاف عن الأقبح، ومثل هذا، النظر في جانب الأمر، والله الموفق. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 5 صـ 10 - 13}