وقالوا في أنه لا اعتدادَ بمن شَرُفَ أصله إذا لم يَشْرُفْ بنفسه:
والقائل المعلم الأول أرسطوطاليس -: إذا كان الإنسان خسيس الأبوين شريف النفس، كانت خسة أبويه زائدةً في شرفه، وإذا كان شريف الأبوين خسيس النفس، كان شرف أبويه زائداً في خسته. وقال ابن الرومي:
وما الحَسَبُ الموروثُ لا دَرَّ دَرُّهُ ... بمُحْتَسَبٍ إلا بآخَرَ مُكتَسبْ
إذا العُودُ لم يُثْمِرْ وإن كان شُعْبَةً ... منَ المُثْمِراتِ اعْتَدَّه الناسُ في الحَطَبْ
لا درّ درّه: لا زكا عمله، دعاء عليه أن لا يجعله الله نافعاً.
وقال سقراط - في الاعتذار عمن شرفت نفسه ولم يشرف أصله - وقد عيّره رجل بحسبه: حَسبي مني ابتدأ، وحسبك إليك انتهى... وقال قائل في هذا المعنى: لأن يكون الرجل شريف النفس دنيء الأصل، أفضل من أن يكون دنيء النفس شريف الأصل، ألا ترى أن رأس الكلب خير من ذنب الأسد!
ومما يستظرف من اعتذار المتخلفين الأنذال، عن تخلفهم عن آبائهم الأشراف ما روي: أنه قيل لأعرابي: ما أشبهت أباك! فقال: لو أشبه كلُّ رجلٍ أباه كنا كآدم...
وخطب رجل قصّر عن أبيه إلى رجل رفيع القدر، ابنته، فقال له العظيم: لو كنت مثل أبيك! فقال: لو كنت مثل أبي لم أخطب إليك...
ومن محاسنهم في ذمّ من قصّر عن آبائه: قول بعضهم:
لَئِنْ فَخَرْتَ بآبَاءٍ لهم شرَفٌ ... لقد صَدَقْتَ ولكن بِئْسَما وَلَدُوا
وقول أبي تمام:
يا أكرمَ الناسِ آباءً ومُفْتَخَراً ... وألأَمَ الناسِ مَبْلُوّاً ومُخْتَبَرَا
ونظر رجل إلى ابنٍ نذلٍ من أب كريم فقال: سبحان الله من قائل: يخرج الخبيث من الطيب.
وقال شاعر في لئيم النفس كريم الأبوين:
فلا يَعجَبَنَّ الناسُ مِنك ومنهما ... فما خَبَثٌ مِنْ فِضَّةٍ بِعَجِيبِ
الخبث من الحديد والفضة ونحوهما: ما نفاه الكير ولا خير فيه.
وقالوا فيمن يَخْزى من ذكر آبائه: فمن ذلك أن رجلاً سئل عن نسبه، فقال: أنا ابن أخت فلان، فقال أعرابي: الناس ينتسبون طولاً وأنت تنتسب عرضاً.
ومن محاسنهم فيمن لا يعتدُّ بأبيه: قول الأخطل:
وإذا وَضَعْتَ أباكَ في ميزانِهم ... رَجَحوا وشَالَ أبوكَ في الميزانِ
شال الميزان: ارتفعت إحدى كفتيه، ويقال: شال أبوك في الميزان، وهو مثل في المفاخرة يقال: فاخرته فشال ميزانه: أي فخرته بآبائي وغلبته وقال بعض شعراء أصفهان:
تَبَجّحَ بالكتابةِ كُلُّ وَغْدٍ ... فقُبْحاً للكتابةِ والعِمَالَهْ