فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 98920 من 466147

وكان الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم: مَن كان منهم يؤثر أقرباءه بالولايات والعِمالات وإسناد أمور الدولة إليهم، فإنما كان ذلك - بعد كفاية الأقرباء واستحقاقهم - للبر صِرْفاً، أي امتثالاً لأمر الله في وجوب صلة الرحم، ومن كان منهم يؤثر الأجانب ويُقصي الأقارب ويحرمهم أعمالَ الدولة. فإنما كان ذلك للبر أيضاً، إذ كان ذلك إمعاناً في التورع والتأثم وتَركاً لما يريب إلى ما لا يريب... وفي ذلك يقول الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه: كان عمر يمنع أقرباءه ابتغاء وجهِ الله، وأنا أعطي قراباتي لوجه الله، ولن يُرى مثلُ عمر... فتأمل قوله: ولن يُرى مثل عُمر... أي لن يبلغ إنسان مبلغه في

الحزم والسياسة الرشيدة وضبطِ النفس أن تسترسل مع ما يُشبه الهوى... يعني أن عمرَ أفضلُ مني، رضي الله عن الجميع...

ومما يروى في معنى حث الأقارب على التعاون: أن أكثمَ بنَ صيفيٍّ حكيمَ العرب دعا أولاده عند موته، فاستدعى بضِمامةٍ من السهام أي حزمة منها، لغة في الإضمامة وتقدم إلى كل واحد أن يكسرها، فلم يقدر واحد على كسرها، ثم بددها وتقدم إليهم أن يكسروها، فاستسهلوا كسرها، فقال: كونوا مجتمعين، ليعجز من ناوأكم أي عاداكم عن كسركم، لعجزكم... وقال الشاعر في هذا المعنى:

إنَّ القِدَاحَ إذا اجتمعْنَ فرَامَها ... بالكْسرِ ذو حَرْدٍ وبَطْشٍ أَيِّد

عَزَّتْ فلَمْ تُكْسَرْ وإن هِيَ بُدِّدَتْ ... فالوَهْنُ والتكْسِيرُ لِلمُتَبَدِّدِ

وقال آخر في هذا المعنى:

إذا ما أرادَ اللهُ ذُلَّ قبيلةٍ ... رَمَاها بتشتيتِ الهوى والتَّخاذلِ

وهذا كما يقال في الأقارب يقال في كل جماعة بينهم لحمة تجمعهم، من وطن وغير وطن ومما يروى: أن رجلاً من العرب قتل ابن أخيه، فدفع إلى أخيه ليقتاد منه فلما أهوى بالسيف أرعدت يداه، فألقى السيف من يده وعفا عنه، وقال: - والبيتان في الحماسة -:

أقولُ لِلنفْسِ تَأسَاءً وتَعْزِيةً ... إحْدى يَدَيَّ أصابَتْني ولم تُردِ

كِلاهُما خَلَفٌ مِن فَقْدِ صاحبه ... هذا أخي حينَ أَدْعُوهُ وذا وَلَدِي

وفي مثل هذا المعنى يقول الحارث بن وعلة الذهلي - وهي من أبيات الحماسة -:

قَوْمِي هُمُ قتَلوا أُمَيْمَ أخي ... فإذا رَمَيْتُ يُصِيبُني سَهمِي

فلِئنْ عَفَوْتُ لأعْفُوَنْ جَلَلاً ... ولئنْ سَطْوتُ لأُوهِنَنْ عَظْمي

لا تأْمَنَنْ قوْماً ظَلَمْتَهُمُ ... وبَدأْتَهُمْ بالشَّتْمِ والرَّغْمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت