نحن نجد الإنسان قد يبصر مالا غاية فِي إبصاره ، فهو يمر على كثر من الأشياء قيبصرها ، لكنه لا يرقب إلا من كان فِي باله. والحق سبحانه رقيب علينا جميعا كما في قوله:
{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14] وبعد أن تكلم سبحانه عن خلقنا أبا وأما وأنه بث منهما رجالا كثيرا ونساء ، أراد أن يحمى هذه المسألة وأن يحمى المبثوث. والمبثوث قسمان: قسم اكتملت له القوة وأصبحت له صلاحية فِي أن يحقق أموره النفعية بذاته ، وقسم ضعيف ليست له صلاحية فِي أن يقوم بأمر ذاته ، ولأنه سبحانه يريد تنظيم المجتمع ؛ لذلك لابد أن ينظر القادرون في المجتمع إلى القسم الضعيف فِي المجتمع ، ومن القسم الضعيف الذي يتكلم الله عنه هنا ؟ إنهم اليتامى ، لماذا ؟
لأن الحق سبحانه حينما خلقنا من ذكر وأنثى ، آدم وحواء ، جعل لنا أطوارا طفولية ، فالأب يكدح والأم تحضن ، ويربيان الإنسان التربية التي تنبع من الحنان الذاتى ونعرف أن الحنان الذاتى والعاطفة يوجدان فِي قلب الأبوين على مقدار حاجة الابن إليهما ، الصغير عادة يأخذ من حنان الأب والأم أكثر من الكبير ، وهذه عدالة فِي التوزيع ، لأنك إذا نظرت إلى الولد الصغير والولد الكبير والولد الأكبر ، تجد الأكبر أحظهم زمنا مع أبيه وأمه والصغير أقلهم زمنا ، فيريد الحق أن يعوض الصغير فيعطى الأب والأم شحنة زائدة من العاطفة تجاهه ، وأيضا فإن الكبير قد يستغنى والصغير ما زال في حاجة ، ولذلك قال سبحانه فِي أخوة يوسف:
{إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [يوسف: 8] أي أنهم أقوياء وظنوا أنه يجب على أبيهم أن يحب الأقوياء. وهذا الظن دليل على أن الأب كان يعلم أنهم عصبة لذلك كان قلبه مغ غير العصبة ، وهذا هو الأمر الطبيعي ، فهم جاءوا بالدليل الذي هو ضدهم.