قلت: الحكمة في ذلك أنّ هذين الوصفين وقعا في كلام الإنجيل أو في كلام الحواريّين وصفًا لعيسى - عليه السلام -، وكانا مفهومين في لغة المخاطبين يومئذٍ، فلمَّا تغيّرت أساليب اللّغات وساء الفهم في إدراك الحقيقة والمجاز تسرّب الضلال إلى النّصارى في سوء وضعهما، فأريد التنبيه على ذلك الخطأ في التأويل؛ أي أنّ قصارى ما وقع لديكم من كلام الأناجيل هو وصف المسيح بكلمة الله وبروح الله، وليس في شيء من ذلك ما يؤدّي إلى اعتقاد أنَّه ابن الله وأنَّه إله، وتصدير جملة القصر بأنّه {رَسُولَ اللَّهِ} ينادي على وصف العبوديّة؛ إذ لا يُرسل الإله إلهًا مثله، ففيه كفاية من التنبيه على معنى الكلمة والروح.
الوجه التاسع: الأدلة على أن عيسى عبد الله ورسوله.
أولًا من القرآن:
قال تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) } [النساء: 172] .
قال الطبري: أخبر جل ثناؤه عباده أن عيسى وأمَّه ومن في السموات ومن في الأرض؛ عبيدُه وإماؤه وخلقه وأنه رازقهم وخالقهم، وأنهم أهل حاجة وفاقة إليه احتجاجًا منه بذلك على من ادّعى أن المسيح ابنه، وأنه لو كان ابنه كما قالوا لم يكن ذا حاجة إليه، ولا كان له عبدًا مملوكًا.
قال تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) } [مريم: 29، 30] .
قال الرازي: اعلم أنه وصف نفسه بصفات تسع:
الصفة الأولى: قوله: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} وفيه فوائد:
الفائدة الأولى: أن الكلام منه في ذلك الوقت كان سببًا للوهم الذي ذهبت إليه النصارى، فلا جرم أول ما تكلم إنما تكلم بما يرفع ذلك الوهم فقال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} وكان ذلك الكلام وإن كان موهمًا من حيث إنه صدر عنه في تلك الحالة، ولكن ذلك الوهم يزول ولا يبقى من حيث إنه تنصيص على العبودية.