1 -بأن الأشياء تنسب في العادة والعرف العام في البشر إلى أسبابها، ولما فقد في تكوين المسيح وعلوق أمه به ما جعله الله سببًا للعلوق، وهو تلقيح ماء الرجل لما في الرحم من البيوض التي يتكون منها الجنين، أضيف هذا التكوين إلى كلمة الله، وأطلقت الكلمة على المكون إيذانًا بذلك أو جعل كأنه نفس الكلمة مبالغة، وهذا هو الوجه المشهور.
2 -أنه أطلق عليه لفظ الكلمة لمزيد إيضاحه لكلام الله الذي حرفه قومه اليهود حتى أخرجوه عن وجهه، وجعلوا الدين ماديًا محضًا؛ قاله الرازي. وجعله من قبيل وصف الناس للسلطان العادل بظل الله ونور الله، لما أنه سبب لظهور ظل العدل ونور الإحسان قال: فكذلك كان عيسى سببًا لظهور كلام الله - عز وجل - بسبب كثرة بياناته له، وإزالة الشبهات
والتحريفات عنه.
قال ابن تيمية: ثم يقال للنصارى: فلو قدر أن المسيح نفس الكلام، فالكلام ليس بخالق؛ فإن القرآن كلام الله وليس بخالق، والتوراة كلام الله وليست بخالقة، وكلمات الله كثيرة وليس منها شيء خالق، فلو كان المسيح نفس الكلام لم يجز أن يكون خالقًا، فكيف وليس هو الكلام وإنما خلق بالكلمة وخص باسم الكلمة؟ فإنه لم يخلق على الوجه المعتاد الذي خلق عليه غيره؛ بل خرج عن العادة، فخلق بالكلمة من غير السنة المعروفة في البشر.
الوجه الخامس: بيان معنى الروح في الآية (وَرُوحٌ مِنهُ) .
المعنى الأول: الروح بمعنى: النفخ.
معنى قوله: {وَرُوحٌ مِنْهُ} ونفخة منه؛ لأنه حدث عن نفخة جبريل - عليه السلام - في دِرْع مريم بأمر الله إياه بذلك، فنسب إلى أنه (روح من الله) ؛ لأنه بأمره كان. قال: وإنما سمي النفخ {رُوحًا} لأنها ريح تخرج من الرُّوح، واستشهدوا على ذلك من قولهم بقول ذي الرمة في صفة نار نعتها:
فَلَمَّا بَدَتْ كَفَّنْتُها، وَهْيَ طِفْلَةٌ بِطَلْسَاءَ لَمْ تَكْمُلْ ذِرَاعًا وَلا شِبْرَا
وَقُلْتُ لَهُ: ارْفَعْهَا إِلَيْكَ، وَأَحْيِهَا بِرُوحِكَ، وَاقْتَتْهُ لَهَا قِيتَةً قَدْرَا
وَظَاهِرْ لَهَا مِنْ يَابِس الشَّخْتِ، وَاسْتَعِنْ عَلَيْهَا الصَّبَا، وَاجْعَلْ يَدَيْكَ لَهَا سِتْرَا