وبه قال قتادة. وشَاذُّ بْنُ يَحْيَى قال: ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى.
قَالَ الْهَرَوِيُّ: سُمِّيَ كَلِمَة؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَنْ الْكَلِمَة فَسُمِّيَ بِهَا كَمَا يُقَال لِلْمَطَرِ: رَحْمَة.
فسماه الله - عز وجل - كلمته؛ لأنه كان عن كلمته كما يقال لما قدر الله من شيء: هذا قدر الله وقضاؤه يعني به: هذا عن قدر الله وقضائه حدث، وكما قال جل ثناؤه: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47) } [النساء: 47، الأحزاب: 37] يعني به: ما أمر الله به وهو المأمور به الذي كان عن أمر الله - عز وجل -.
فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: (كن) فكان عيسى - صلى الله عليه وسلم - بكن، فعيسى ليس هو الكن ولكن بالكن كان، فالكن من الله قول وليس الكن مخلوقًا، وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى، وذلك أن الجهمية قالوا: عيسى روح الله وكلمته إلا أن كلمته مخلوقة. وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله وكلمة الله من ذات الله كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب؟
قلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة، وأما قول الله تعالى: {وَرُوحٌ مِنْهُ} يقول: من أمره كان الروح فيه كقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} يقول: من أمره، وتفسير روح الله إنما معناها: أنها روح يملكها الله خلقها الله كما يقال: عبد الله، وسماء الله، وأرض الله.
المعنى الثاني: المراد بالكلمة كلمة البشارة.
يعني برسالة من الله، وخبر من عنده وهو من قول القائل: ألقى فلان إليَّ كلمة سرني بها بمعنى: أخبرني خبرًا فرحت به كما قال جل ثناؤه: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} [النساء: 171] يعني: بشرى الله مريم بعيسى ألقاها إليها.
فتأويل الكلام: وما كنت يا محمد عند القوم؛ إذ قالت الملائكة لمريم: يا مريم، إن الله يبشرك ببشرى من عنده؛ هي ولد لك اسمه المسيح عيسى ابن مريم.
الوجه الرابع: بيان اختصاص المسيح بإطلاق الكلمة عليه.
يقول محمد رشيد رضا: لماذا خص المسيح بإطلاق الكلمة عليه؟ وأجيب عن ذلك: