من ذلك أيضًا: التوبيخ والتقريع، كما في قول الله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} (الأعراف: 123) يقول الزمخشري:"آمنتم به على الإخبار؛ أي فعلتم هذا الفعل الشنيع توبيخًا لهم وتقريعًا، وإنما أفاد الخبر التقريع والتوبيخ؛ لأنه حين أخبر به من هو عالم بفائدته تولد منه بحسب القرائن والأحوال ما ناسب المقام، والمناسب للمقام هنا هو التوبيخ والتقريع".
من ذلك أيضًا: النصح والإرشاد، كقول زهير:
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم
وكقول الآخر ناصحًا بالابتعاد عن الهموم ومحذرًا من آثارها الضارة:
والهم يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم
(فائدة)
قوله جل وعلا: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} احتراس يدفع توهم أن القاعد بعذر داخل في مفهوم عدم الاستواء المذكور، ومثله قوله تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} (النمل: 12) فقوله: {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} احتراس من نحو البهق والبرص.
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ... (142) }
فقد آثر التعبير بالمضارع {يُخَادِعُونَ} ؛ ليفيد أن خداع المنافقين حادث متجدد وبالاسم {خَادِعُهُمْ} ؛ ليفيد أن فعل الله ثابت ودائم في جميع الأحوال، وفي هذا زيادة في التنكيل والتعذيب
{وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ ... (171) }
وتقدير المحذوف أو القول بالحذف يحتاج من الدارس إلى تأمل دقيق ونظر واع؛ حتى لا يتناقض مع صحة المعنى واستقامته، انظر مثلًا إلى قول الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ} (النساء: 171) فالمراد: النهي عن التثليث. أي: لا تقولوا بالتثليث، انتهوا عنه يكن خير لكم؛ فالله واحد لا شريك له. الآية الكريمة فيها حذف، ويحتمل أن يكون المحذوف المسند، والتقدير: لنا آلهة ثلاثة، أو في الوجود آلهة ثلاثة. فحذف المسند: لنا أو في الوجود، ثم حذف الموصوف: آلهة. فصارت الآية: {لَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} . أو التقدير: لا تقولوا لنا، أو في الوجود ثلاثة آلهة. فحذف الخبر ثم التمييز المضاف إليه فصارت الآية: {لَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} . ويحتمل أن يكون المحذوف المسند إليه، وتقديره: ولا تقولوا الله، والمسيح، وأمه ثلاثة.