وبمقدورنا بعد هذه الإفاضة في طرق الأداء من حقيقة وتشبيه ومجاز وكناية وتعريض؛ أن نخلص إلى أن الحقيقة والمجاز وسيلتان من وسائل التعبير، لا تغني إحداهما عن الأخرى في نقل المعنى أو رسم الصورة، وقد اتفق البلاغيون على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، وأن الاستعارة أبلغ من التشبيه، والكناية أبلغ من التصريح، واختلفوا في الموازنة بين المجاز والكناية، فقيل: أن الكناية أبلغ من المجاز بنوعيه المرسل والاستعارة، وقيل: الاستعارة أبلغ من الكناية؛ لأنها كالجامعة بين الاستعارة والكناية، وقيل غير ذلك.
وأرى - فيمن يرى - أن اختلاف البلاغيين في الموازنة بين هذه الفنون لا أثرَ له فيما تُصَوِّرُه؛ إذ المرجع في ذلك لما يقتضيه المقام، فإن اقتضى المقام الإفصاح كان بلا ريب أبلغ من الكناية، وإذا اقتضى التشبيه كان أبلغ من الاستعارة. وهكذا.
{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ... (95) }
من ذلك أيضًا: الحث على شيء واستنهاض الهمم له، كقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ}
وذلك تذكيرًا بما بينهما من التفاوت العظيم؛ ليتأنف القاعد بلا عذر، ويرتفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فينضم إلى صفوف المجاهدين، ويحظى بشرف الجهاد وعظيم الثواب. وكقولك أنت: لا يستوي العالم والجاهل؛ لأن فيه تحريكًا لحمية الجاهل وحثًّا له على تحصيل العلم ليلحق بركب العلماء، ويحظى بشرف الانتساب إليهم، والارتقاء إلى منزلتهم، ولا غرو فهم ورثة الأنبياء. من هذه الأغراض أيضًا التبعية: إظهار الفرح والسرور، وذلك كقولك لمن يعلم بنجاحك هذا العام: نجحت في الامتحان والحمد لله. ومنه كذلك: المدح، كقول النابغة الذبياني يمدح النعمان بن المنذر:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
ومن ذلك أيضًا: الذم، كقول جرير يهجو الفرزدق:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع