فالتضمين جمع المعنيين: صرح بأخطرهما - الإذاعة - ليقطع الطريق على كل منافق أو معطّل، أو متشكك ألا يتجراً على إعلان خبر أو نشره، ووارى في جعبته أقلهما خطراً وهو البث والبَوْح بأي خبر يلهج به ضعيفٌ أو واهي العزيمة.
بعض من المهاجرين ضعفت نفوسهم عن تكاليف القتال، فلا نستبعد أن نرى فيهم صفة الإذاعة - بأمر من الأمن أو الخوف - لأن هذه تدل على عدم الدربة على النظام ولا تدل على النفاق.
فعلى الناظر في كتاب اللَّه أن يتجشم المشقة في إنعام النظر في هذه الحروف لمعرفة ما استودعه اللَّه في أفعالها المتعدية بها لأنها أدل على لطف المسلك، وأشهد للغرض، وأوفى بشرح العلة من وجه لا يفطن له إلا من أوتي النظر.
(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ...(87)
(إلى) على بابها معناها الغاية ويكون الجمع في القبور، أو على تضمين (يجمع) معنى (يحشر) ويتعدى بـ (إلى) أو بمعنى (في) أو (مع) . ذكر ذلك الزمخشري وأبو حيان، وذكر الرازي: ليجمعنكم في القبور إلى يوم القيامة أو ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمع بينكم.
وحكى أبو السعود أنه قيل: (إلى) بمعنى (في) ، وذكر ذلك الأشموني، والسيوطي، وابن هشام، والمرادي.
أقول: وقد يتضمن معنى ضم في سياق آخر. ففي الحديث:"حتى إذا قضى رسول اللَّه مقالته جمعتها إلى صدري"، وقد يتضمن معنى أنهى أو ألقى أو أتم أو ساق.
وهكذا تبقى (إلى) على أصلها ليست بمعنى (في) أو (مع) وإنما جرى التضمين في الفعل. ويتلوّن المعنى حسب السياق، فيكون بمعنى الحشر والمتعدي بـ (إلى) (فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) ، أو الضم كما جاء في الحديث، أو السوق أو غير ذلك. ولعل الحشر أو السوق هنا أولى من سواه.
فتعريد من خشي اقتحام لجج هذه اللغة الشريفة، وتحاميه سبيل التنقيب عن أوضاعها، ينأى به عن تقصي عللها وتتبع مسالكها وإدراك مطالبها.
(وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً ... (96)
قال العكبري: وقيل أجرا مفعول به لأن (فضَّل) تضمّن معنى (أعطى) قيل بأجرٍ منصوب على نزع الخافض
وذكر الجمل: أجرا في نصبه أربعة أوجه: أحدها: النصب على المصدر من معنى الفعل الذي قبله. الثاني: النصب على إسقاط الخافض.