أقول: في هذا العرض لهذه الآيات بيان في عموم اللفظ، وخصوصه لأداء المعنى، وقد يكون ذلك أجزى وأوفى من التخصيص والتقييد، وقد كنا أشرنا إليه.
12 -وقال تعالى: (نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
والمعنى: لن يأنف المسيح، ولن يذهب بنفسه عزّة، من نكفت الدمع إذا نحّيته عن خدّك.
وقال الأزهري: سمعت المنذريّ يقول: سمعت أبا العبّاس، وقد سئل عن الاستنكاف في قوله تعالى: (نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ
فقال: هو أن يقول: لا، وهو من النّكف والوكف.
يقال: ما عليه في ذلك الأمر نكف ولا وكف، فالنكف أن يقال له سوء.
واستنكف ونكف إذا دفعه وقال:
لا.
وعند المفسرين: الاستنكاف والاستكبار واحد.
أقول: والفعل «استنكف» من الأفعال المستعملة في العربية المعاصرة، ولكن المعنى شيء آخر فيقال: استنكف فلان عن المشاركة في الأمر، أي: عدل وتنحّى، واستنكف عن «التصويت» في مجلس النواب، أي: عدل وانصرف.
ولكننا نجد هذا الفعل في العامية الدارجة في الحواضر العراقية مستعملا كما أشارت إليه الآية الكريمة، فابن
المدينة يقول: فلان يستنكف أن يشتغل سائقا لسيّارة، والمعنى يأنف ويذهب بنفسه عزّة.
وهذا من الغرائب اللغوية التاريخية وذلك أننا نجد جمهرة من الألفاظ الفصيحة القديمة قد عفا أثرها في الفصيحة المعاصرة، وبقيت في العامية على أنها استعمال دارج. انتهى انتهى {من بديع لغة التنزيل، لـ إبراهيم السامرائي} .