وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلى قوله: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ.
أصل الطّول الفضل والزيادة ، والمراد به هنا الزيادة في المال والسّعة.
والمراد بالمحصنات: الحرائر ، بدليل مقابلتهن بالمملوكات.
لما بيّن اللّه من لا يحل من النساء ومن يحل منهن ، بيّن لنا فيمن يحل أنه متى يحل؟ وعلى أي وجه يحل؟ فقال: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلخ يقول: ومن لم يستطع منكم زيادة في المال ، وسعة يبلغ بها نكاح الحرّة: فلينكح أمة من الإماء المؤمنات ، وإذا ضممت إلى هذا القدر قوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ كان ظاهر الآية يدلّ على أنّ اللّه شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة:
الأول: ألا يجد الناكح مالا يتزوّج به حرّة.
والثاني: أن يخشى العنت ، وسيأتي بيانه.
والثالث: أن تكون الأمة التي يريد نكاحها مؤمنة ، لا كافرة.
وإنما ضيّق اللّه في نكاح الإماء باشتراط هذه الشروط لما في نكاحهم من أضرار ، أهمّها تعريض الولد للرق ، لأن الولد يتبع الأمّ في الرق والحرية ، فإذا كانت الأم رقيقة علقت بالولد رقيقا ، وذلك يوجب النقص في حقّ الوالد وولده - وسنذكر بعض الأضرار عند قوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ - وبهذا الظاهر تمسك الشافعيّ رضي اللّه عنه ، وهو أيضا قول ابن عباس وجابر وسعيد بن جبير ومكحول وآخرين.
وروي أنّ مسروقا والشعبيّ قالا: نكاح الأمة بمنزلة الميتة والدم ولحم الخنزير ، لا يحل إلا للمضطر.
وروي عن علي وأبي جعفر ومجاهد وسعيد بن المسيّب وآخرين أنهم قالوا:
ينكح الأمة وإن كان موسرا.
وذهب الإمام أبو حنيفة رضي اللّه عنه إلى جواز نكاح الأمة لمن ليس تحته حرّة ، سواء أكان واجدا طول حرة أم لا ، وسواء أخشي العنت أم لا ، وسواء أكانت الأمة مسلمة أم لا ، واحتج الحنفية على ذلك بالعمومات الكثيرة ، كقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: 3] وقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ [النور: 32] وقوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ وقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: 5] ، وجميع ذلك يتناول الإماء الكتابيات ، ولم يشترط فيه عدم الطول ، ولا خوف العنت ، فلا يخرج منه شيء إلا بما يوجب