وقال ابنُ عباسٍ أيضًا - في رواية أبي صالح: - نزلت هذه في رجلٍ من بني مُرَّةَ بنِ عوف، يقال له: مِرْداسُ بنُ نَهيك، وكانَ من أهلِ فَدَكَ، وكان مُسْلمًا لم يُسْلِمْ من قومِه غيرُه، فسمعوا بِسَريَّةٍ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - تريدُهم، وكانَ على السريةِ رجلٌ يقالُ له: غالبُ بنُ فَضالةَ الليثيُّ، فهربوا، وأقامَ الرجلُ؛ لأنه كانَ على دين المسلمين، فلما رأى الخيلَ، خاف أن يكونوا من غيرِ أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فألجأَ غَنَمَهُ إلى عاقولٍ من الجبلِ، وصَعِد هو إلى الجبل، فلما تلاحقتِ الخيلُ، سمعهم يكبِّرون، فلما سمعَ التكبيرَ، عرفَ أنهم من أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، كَبَّرَ ونزلَ وهو يقولُ: لا إلَه إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ، السلامُ عليكم، فتغشَّاهُ أسامةُ بنُ زيدٍ فقتله، واستاقَ غَنَمَهُ، ثم رَجَعوا إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبروه، فَوَجَدَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك وَجْداً شديداً، وقد كانَ سبقَهم قبل ذلك الخبرُ، فقال رسولُ - صلى الله عليه وسلم -:"قَتَلْتُموهُ إرادَةَ ما مَعَهُ!"، ثم قرأ هذه الآيةَ على
أسامةَ بنِ زيدٍ، فقال: يا رسول الله! استغفر لي، فقال:"فكيفَ بلا إلهَ إلا اللهُ؟"، فقالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثَ مراتٍ، فقال أسامةُ: فما زال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يعيدُها حتى وَدِدْتُ أني لمْ أكنْ أسلمتُ إلا يَوْمَئِذٍ، ثم إن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - استغفرَ لي بعدُ ثلاثَ مراتٍ، وقالَ:"أَعْتِقْ رَقَتة".
وروى أبو ظبيانَ عن أسامةَ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! إنما قالها خوفاً منَ السلاح، قال:"أَفَلا شَقَقْتَ عن قلبِه حتى تعلَم أَقالها أم لا؟".
والسَّلاَمُ والسَّلَمُ بمعنى، وهو تحيةُ الإسلام.
فإن قيل: فما حكمُ القاتلِ اليومَ إذا فعلَ مثل هذا؟.
قلنا: يقتلُ قِصاصاً.
فإن قيل: فلمَ لمْ يقتلِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أسامةَ بنَ زيدٍ وغيرَهُ؟
قلنا: إنما قتلَهُ أسامةُ متأوِّلًا، فظنَّ أنهُ قالَها تَقيَّةً، وكانَ هذا التأويلُ منه في صَدْرِ الإسلامِ، قبل أن تَسْتَقِرَّ الشريعةُ وتنتشرَ.