قلنا: اختلفَ أهلُ العلمِ في ذلكَ على ثلاثةِ مذاهبَ.
-منهم من ذهبَ إلى الجَمْعِ، وهمُ الجمهورُ، فحملَ أمر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالدعاءِ لهم إلى الثلاث الخِصال على الاستحباب، وحَمَلَ فعلَه على الجواز، والحكمُ عندَهُ أنه لا يَجِبُ تكرارُ الدعوةِ إلى المشركين بعدَ بلوغِها إليهم، ولكنها تستحبُّ.
-ومنهم من ذهبَ إلى التعارضِ، فذهب جمهورُهم إلى النسخ، فقال: إنَّ فِعْلَهُ ناسخٌ لقوله، وإن ذلك إنما كانَ في أولِ الإسلامِ قبلَ أن تنتشر الدعوةُ، والحكمُ عندهم: أنه لا يجبُ تكرارُ الدعوةِ، ولا يستحبُّ.
-وذهبَ بعضُهم إلى الترجيح، فرجَّحَ قولَه على فعلهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فأوجبَ تكرارَ الدعوة.
ولو جُمعَ بين الحديثين بان قولَه في الذين لم يتحققْ منهمُ العِناد، وفِعْلَهُ في الذين قد علمَ منهم مَحْضَ العِناد، لكان أولى وأحسن، ولم أقفْ عليه لأحدٍ.
* وحرم الله سبحانه قتلَ الرجلِ إذا أظهرَ الإسلامَ، وان غلَب على الظَّنِّ أنه فَعَلَهُ تَقِيّهً، فقال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا (94) } [النساء: 94] .
وسببُ نزولها ما رواهُ البخاريُّ عن عطاءٍ عن ابن عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رجلٌ في غُنَيْمَةٍ لَهُ، فلحقه المُسلمون، فقال: السلامُ عليكم، فقتلوهُ، وأخذوا غُنَيْمَتهُ، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ إلى قوله: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (94) } [النساء: 94] .