قال ابنُ عباسٍ: فكما لا ينفعُ مع الشركِ إحسانٌ، كذلكَ نرجو أن اللهَ يغفرُ ذنوب المُوَحِّدين.
فإن قالَ قائل: فقد رويتُم النسخَ بآيةِ القتل لآية الفرقانِ عن ابنِ عباسٍ وزيدِ بن ثابتٍ رضي الله تعالى عنهم.
قلنا: أما قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ، فمحمولٌ على أن الغليظة نسخت من اللينة، ليَّنَها الهنيء الذي لا نَكَدَ فيه، وأما حكمُها فلم تنسخه.
وأما ابنُ عباس، فلم يقلْ بالنسخِ، وإنما حَمَل آيةَ الفرقانِ على المشركين، وحمل آيةَ النساءِ على المؤمنِ الذي التزمَ أحكامَ المؤمنين.
وأما روايةُ سعيدِ بنِ جبير عن ابن عباس: أن هذه مكيةٌ، وتلكَ مدنيةٌ نسختها.
فلعل قوله: نسختها، زيادةٌ من بعضِ الرواةِ عن ابن جبيرٍ.
فالمشهورُ من روايةِ ابن جُبيرٍ ما ذكره البخاريُّ في"جامعه"عن ابن جُبَيرٍ قال: آية اختلفَ فيها أهلُ الكوفةِ، فرحلتُ فيها إلى ابنِ عباسٍ، فسألتُه عنها، فقال: نزلتْ هذه الآيةُ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء:93] ، هي آخر ما نزلَ، فما نسخَها شيء (1) .
وهذا ينفي أن تكونَ منسوخةً، ولا يثبتُ أن تكونَ ناسخة لآية الفرقان.
وهو وإن صحَّ عنه، فليس على توقيفه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - دليلٌ، وإنما قالهُ ابنُ عباسٍ باجتهادِه، واستدلَّ بتأخُّرِ نزولِ آية النساء، وقد قامتِ الأدلةُ التي قدمتُها عندَ غيره على إحكام الآيتين، وأنه لا معارضة بينهما.
وأنكر مَكَيُّ بنُ أبي طالب إمكانَ النسخِ في الآيتين؛ لأنهما خبرٌ من الله سبحانه عن حكمِه، وحكمُهُ يستحيلُ فيه النسخُ؛ لإفضائه إلى الكذبِ.
وهذا غَفْلَة منه؛ فإن الآيتين لَفْظُهُما لفظُ الخَبَرِ، ومعناهُما الحُكْمُ الذي يجوزُ وقوعُه على وجهينِ من التخليدِ وعدمِ التخليدِ، وكلُّ ما جازَ وقوعُهُ على وجهين، جاز الحكمُ بنسخِه، ولأنه لو كانَ الأمرُ على ما ذكر، لما جازَ
الغفرانُ عن الفرارِ من الزحفِ وأمثالهِ إذا لم يتبْ، وهذا لا يقولُهُ أحدٌ من أهل السُّنَّة.
وجميعُ ما مضى في حكم اللهِ سبحانه في الدارِ الآخرة، وأما أحكامُ الله عليه في دارِ الدنيا، فإنه يجبُ عليهِ القصاصُ.
* وهل تجبُ عليه الديةُ مع القصاص، أو لا تجب إلا برضاه واختياره؟
فيه خلافٌ سبقَ ذكرُه في سورة البقرة.
* ومتى وجبتْ عليه الديةُ، وجبت عليهِ حالَّةٌ مُغَلَّظَةٌ، ولا تحملُ العاقلة منها شيئاً.