* ولا خفاء بأن الردَّ واجبٌ إجماعاً.
* واختلفوا في صفته.
فقال الجمهور: هو واجبٌ على الكفِاية، فإذا ردَّ واحدٌ من الجميعِ، سقط الفرضُ عن الباقين.
وقال أبو يوسفَ: لا بدَّ منْ رَدِّ الجميع.
وهو مَحْجوجٌ بما أخرجه أبو داودَ، عن عليٍّ - رضي الله تعالى عنه -: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"يُجْزِئُ عن الجَماعة إذا مَرُّوا أن يسلِّم أحدُهم، ويُجْزِئُ من الجلوس أن يردَّ أحدُهم"، ولكنه قد ضُعِّفَ، وبما خرجهُ مالكٌ في"مُوَطئِه"عن زيدِ بنِ أسلمَ: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا"
سلمَ واحدٌ من القومِ أَجْزَأَ عنهم"."
وندب الله سبحانه إلى ابتداءِ التحية فقَال: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61] ، والأمر محمولٌ على الاستحبابِ إجماعاً، نقله ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُه.
قالوا: وهو مستحبٌّ على الكِفاية، فإذا سَلَّمَ من الجميعِ واحدٌ، تأدَّتِ السنَّةُ بذلك؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"يُسَلِّمُ الراكبُ على الماشي، وإذا سَلَّمَ واحد من القومِ، أَجْزَأَ عنهم".
ولنتكلمْ فيه؛ إذ الموضعُ على الردِّ، ثم نؤخِّرُ الكلامَ على الابتداءِ إلى موضعه - إن شاء الله تعالى - .
فنقول: أطلقَ الله سبحانه التحيةَ هُنا، وقَيَّدهَا في موضِعٍ آخرَ، فقال سبحانَه وتعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61] ، فخرج من الإطلاقِ تحيةُ العَرَبِ؛ كقولهم: أطالَ اللهُ بقاءَكَ، وأسعدَ مساءَكَ، وأبيتَ اللَّعْنَ، وما أشبهَ ذلك، فإنه لا يستحقُّ جواباً.
ثم أطلقَ اللهُ سبحانه صفَةَ المُحَيِّي، وأوجَبَ الردَّ عليه، سواء كان صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، مسلماً أو كافِراً، وها أنا أذكره مفصَّلاً - إن شاء الله تعالى - .
-أما الصبيُّ، فهو على إطلاقِه، إلا ما نُقِلَ عن بعضِ الشافعيةِ من تخريج وجهٍ ضعيفٍ ورأى أنه لا يجبُ الردُّ عليه.
وأما المرأةُ، فإن كانَ السلامُ من نِسْوَةٍ، فإنه يجبُ الردُّ عليهنَّ، كما يستَحَبُّ السلامُ عليهنَّ ابتداءً، قلته بحثاً وتخريجاً.
وإن كانَ السلامُ من امرأةٍ، فإن كانتْ زوجةً أو مَحْرَماً، وَجَبَ الردُّ، وكذا إن كانت عَجوزاً لا يُشْتهى مثلُها.