ويروى هذا الحديثُ من حديثِ معبدِ بنِ نُبَاتَةَ، والشافعيُّ قالَ: إن صَحَّ حديثُ معبدِ بنِ نباتَةَ في القبلة، لم أرَ فيها ولا في اللمس وضوءاً، فإن معبدَ بنَ نباتةَ يروي عن محمدِ بنِ عمرِو بن عطاءٍ عن عائشةَ - رضي الله تعالى عنها -: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُقَبَّلُ، ثم لا يتوضَّأ، ولكني لا أدري كيفَ كان معبدُ بنُ نباتة هذا، فإن كان ثقةً فالحجَّةُ فيما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكني أخافُ أن يكونَ غَلَطاً من قِبَلِ أنَّ عُروةَ إنما روى أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَبَّلَها صائِماً.
قال البيهقيُّ: معبدُ بنُ نُباتَةَ مجهول، ومحمدُ بنُ عمرِو بنِ عطاءٍ لم
يثبتْ له من عائشةَ شيءٌ، وأما عروةُ هذا فهو المُزَنِيُّ، لا عروةُ بنُ الزبير، قاله أهلُ العلمِ بالحديث.
قال يحيى بنُ سعيدٍ القطان - وذكر حديثَ الأعمشِ عن حبيبٍ عن عروةَ - قال: أما إن سفيانَ الثوريَّ كانَ أعلمَ الناسِ بهذا، زعمَ أن حَبيباً لم يسمعْ من عروةَ - يعني: ابن الزبير - شيئاً.
وقال قومٌ: المرادُ به اللمسُ باليد، وهو قولُ عمرَ وابنِ مسعودٍ - رضي الله تعالى عنهما - ، فهو لا يلزم من قولهم انتقاضُ الوضوء باللمسِ، ولا يلزمُ من قولهم منعُ التيمُّم عن الجنابة، وإن كانَ المشهورُ عنهما منعَ التيمم عن الجنابة، وهو الملزم لهما حملَ اللمسِ على لمسِ البشرة.
وبهذا المعنى قال مالكٌ، والشافعيُّ، والليثُ، والأوزاعيُّ، فأوجبوا الوضوءَ من لمسِ النساء.
واستدلَّ له الشافعيُّ - بعدَ اعتمادِه على تفسيرِ عمرَ وابنِ مسعودٍ - بذكر الله سبحانه للملامسةِ موصولةً بذكرِ الغائطِ بعدَ ذِكْرِ الجنابة، فما أوجب الوضوء من الغائط، أوجبه من الملامسة، فأشبهتْ أن يكونَ اللمسَ الذي هو غيرُ الجنابة، إلا أن مالكاً قيده بوجود اللذَّةِ، أو بقصدِها، مع وجودِ الحائلِ ومع عدمِه؛ تخصيصاً لعمومه بمعناه؛ لما روت عائشةُ - رضي الله تعالى عنها - أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يغمزُها عندَ سجودِه بيده، وضُعِّفَ بأنه إذا لمسَ من وراءِ حائلٍ فليسَ بِماسٍّ ولا بِمُلامِسٍ لها، وإنما هو لامسٌ لثوبها.
وقيده الشافعيُّ - في أحد قوليه - بمظنة اللذة، فلم ينقضِ الوضوءَ
بذواتِ المحارمِ والصغائرِ اللاتي لا يُشْتَهى مثلُهن؛ تقييداً بالمعنى أيضاً.
وقيده الأوزاعيُّ باليدِ خاصَّةً.