ثالثها: ما حكاه المفسرون من سببها، وذلك أن عبدَ الرحمن بنَ عوفٍ - رضى الله تعالى عنه - صنعَ طعامًا، ودعا ناساً من أصحابِ محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فَطَعِموا وشربوا، وحضرت صلاةُ المغربِ، فتقدمَ بعضُ القوم فصلَّى بهم المغرب، فقرأ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] ، ولم يتمَّها، فأنزلَ الله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] ، وحملُ ذلكَ على موضعِ الصلاة حَمْل لها على غير سببها، وحملُ اللفظِ على غير سببه، وإخراجُ سببه غيرُ جائز.
فإن قيل: فقد روى بعضُهم نزولهَا في الذين كانت أبوابهم في المسجدِ، مع اتفاقِهم على أن صدرها نازلٌ في السُّكارى، فكيف يتفق لها سببان؟
قلنا: يمكن أن يقال: إن قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا
الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: 43] فزل في هذا السبب، وأن قوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] نزل في الذين كانت أبوابُهم في المسجد، ونيةُ العاملِ والمعمول في حرف العطف جائر، فهو معطوف على الجملة الحالية.
وقد بينتُ في أول كتابي هذا أنه يجوزُ أن ينزلَ بعضُ الآية دونَ بعضٍ، ثم ينزلَ البعضُ الآخرُ في زمنٍ آخر، وإن كانَ قد تَوَهَّمَ الإمامُ أبو عبد الله الشافعيُّ خلافَ ذلك.
وهذا التأويلُ عندي متعينٌ في هذا المقام؛ لما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى - من كونِ عمرَ وابنِ مسعودٍ - رضي الله تعالى عنهما - لا يُجَوِّزان التيممَ عن الجنابة، ولو كان نزولُ هذه الجملة في الصلاة كالجملة الأولى، لما خالفوا في ذلك.
* فإن قال قائل: فما حقيقة الجُنُبِ؟
قلنا: الجُنُبُ في الأصلِ موضوع لمعنى البُعْد، ومنه قوله تعالى: {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36] ، سمي بذلك لبعده عن حالة التقرب إلى الله تعالى، وهو مأخوذٌ من الجنابة.
والجنابةُ تطلق على خروج الماء بالتلذُّذ، وقد تطلق على الماءِ نفسِه؛ لأنه سببٌ للبعد، قالت عائشةُ - رضي الله تعالى عنها -: كنت أغسلُ الجنابةَ من ثوبِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فيخرج إلى الصلاة وبقع الماء على ثوبه.
خرجه الشيخان، ولفظ مسلم:"وقد كنت أفركه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فركاً، فيصلي فيه".