أبوابُهم في المسجدِ، فتصيبهم جنابةٌ، ولا ماءَ عندهم، فيريدون الماءَ، ولا ممرَّ لهم إلا في المسجد، فأنزل الله هذه الآية.
وقد اختلف أهلُ العلم في ملابسةِ الجنبِ المسجد، فقال جمهورُ السلفِ: يجوزُ له العبورُ دونَ القَرار، وبه أخذ الشافعيُّ.
فهؤلاء منهم من يقول بهذا التأويل؛ كابنِ عباسٍ، فجرى على تأويله.
ومنهم من يقول بالقول الأول أن المرادَ بالنهي عينُ الصلاة، وإنما وافقه لدليلٍ آخرَ مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -:"لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِجُنُبٍ ولا لِحائِضٍ".
وربما ظنَّ ظانٌّ أن كلَّ من قال بجواز العبور للجنب أنه قائل بالمعنى الثاني؛ لموافقته للقائل به في الحكمِ، وليس كذلك؛ إذ لا يلزمُ من القَول بإيقاع النهيِ عن الصلاة القولُ بتحريم العبور.
وقال قوم: لا يقربُ المسجدَ بحالٍ، وهو قولُ مالكٍ، واحتجَّ له بما روت عائشةُ - رضي الله تعالى عنها -: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"وَجِّهوا هذهِ البيوتَ"
عن المَسْجِدِ؛ فإنِّي لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِجُنُبٍ ولا لحِائِضٍ"."
وقال أحمدُ، وإسحاقُ، والمزنيُّ، وأصحابُ الرأي، وأهلُ الظاهر: يجوزُ مطلقًا، إلا أن أحمدَ وإسحاقَ شرطا الوضوء؛ أخذاً بظاهر قوله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ} [النساء: 43] ولأن الأصلَ عدمُ التحريم.
ولا حجةَ في الحديث لمالكٍ؛ لأنه مُجْمَلٌ لا يُحتجُّ به عند أكثر المحققين من الأصوليين.
نعم يبقى فيه الاحتجاجُ للفريقِ الأول؛ فإن تحريمَ اللُّبْثِ مُتيَقَّنٌ بكلّ حال؛ لأنه إن كانَ المرادُ بالتحريم العبورَ، فاللبثُ داخلٌ فيه من طريق الأولى، وإن كان التحريمُ خاصًّا باللُّبثِ، فهو المقصودُ بالحكم.
وأما الحديثُ - وإن سلم الاحتجاج به - فقد ضَعَّفه أحمدُ؛ لأن راويَهُ مجهول.
فإن قال قائل: فأيُّ القولين أرجحُ وأولى: وقوعُ النهيِ على الصلاة، أو على موضعها؟
قلنا: الأولُ أولى من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن فيه حملَ اللفظ على حقيقته، وعدمَ الإضمار، وحملُ اللفظِ على حقيقته أولى من المجاز.
ثانيها: سياق آخر الآية حكُمهُ مختصٌّ بالصلاة، ولا يجوز أن يتعلق بموضِعِ الصَّلاة، فهذا يدل على أن أولَ الكلام كآخره؛ لما بينهما من الربط بحرف النَّسَق.