* وبيَّن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وقتَ الأَشُدِّ الذي لم يفهم من لفظه: أن المراد به أدنى درجاته أو أقصاها: أنه خَمْسَ عَشْرَةَ سنةً.
روينا في"الصحيحين"عن ابنِ عمرَ - رضي الله تعالى عنهما - قال: عُرِضْتُ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عامَ بَدْرٍ، وأنا ابنُ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، فردَّني، وعرضتُ عليه عامَ أُحُدٍ، وأنا ابن أَرْبَعَ عَشْرَةَ سنةً، فردَّني، وعرضتُ عليه عامَ الخندق، وأنا ابنُ خَمْس عَشْرَةَ سنةً، فأجازني في المُقَاتِلَة.
ونقل عن عمر بن عبد العزيز أنه جعلَ هذا حدًّا لَمَّا بلغَهُ هذا الحديثُ.
وبيانُ الدليلِ منه أنه لا يُعْرَضُ للقتال في ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، وأَرْبَعَ عَشْرَةَ سنةً، إلا من فيه قدرة على القتال، ولَمَا ردَّهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحال، وأجازه وهو ابنُ خمسَ عَشْرَةَ سنةً، دلَّ أن العبرة بِالسِّنِّ المذكورةِ، ولو كان - العبرةُ بغير السن، لنقله ابنُ عمرَ صاحبُ القصة.
وبهذا البيانِ أخذَ الشافعيُّ، وأحمدُ، وصاحبا أبي حنيفة، وبعضُ أصحابِ مالك.
وقال أبو حنيفة: هو ابن سَبْعَ عَشْرَةَ سنةً، وروي عنه: ثماني عشرة سنة، وهو تفسيرُ أهل اللغة.
وقال مالكٌ: هو أن يَغْلُظَ صوتُهُ، وتَنْشَقَّ أَرْنَبَتُهُ.
وقال أهلُ الظاهرِ: ليس لسنٍّ حدٌّ في البلوغ، فلا يبلغُ حتى يحتلمَ، ولو بلغَ أربعين سنةً.
واختلفوا في نباتِ العانةِ:
فقال الشافعيُّ في أحدِ القولين: هو دلالة على البلوغ، وهو الصحيحُ عند أصحابه، وبه قالَ أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وروي عن مالك.
وقال في القول الثاني: هو نفسُ البلوغ، وبه قالَ مالكٌ.
ويظهر لي قُوَّتُه؛ لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لسعدِ بنِ مُعاب - رضي الله تعالى عنه -:"لقد قضيتَ بحكم الله"؛ حيثُ قضى في بني قريظة بقتل مقاتلتهم، وسبيِ ذراريهم، مع رواية عطية القرظي قال: عُرِضْنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فمن كان مِنّا مُحْتَلِمًا، أو نَبَتَتْ عانتُه، قُتل.
ففرق سعا بين الذرارِيِّ والمقاتِلة، وبيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بفعلهِ أنَّ من نبتَتْ عانتُه من المقاتِلة، لا من الذراري، وأنه حكمُ الله، ولو لم يكنْ بالغًا لما قتله.
وقال أبو حنيفةَ: ليس ببلوغٍ، ولا بدليلٍ عليه.