فإن قيل: فقوله يبطُلُ بقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، فإن التَّسَرِّيَ غير محصورِ فإنه إذا تسرى ما أبيح له، كان أكثر عَوْلًا.
قلت: ليس الأمر كذلك؛ فإن الإماء أموالٌ يُسْتَغنى عنهنَّ، فإنهنَّ متى شاء يبيعُهُنَّ، واستمتاعُه بهنَّ رِبْحٌ؛ إذْ لا مُهورَ لهنَّ، ولا إخدامَ.
وهذا قلتُه على سبيل الردِّ لمن نسبَ إمامَ الأئمة إلى الشذوذِ وخَرْقِ اللغةِ، وهو أعرفُ بها وبمَقاصدِها، وأعلمُ بوجوه التأويل، ولا يُظَنُّ بأبي عبد الله أنه يَجْزم أنَّ ما ذَكَرَهُ مُرادُ الله - سبحانه - فقط، بل ذَكَرَه على وجه التأويل؛ لاحتمال اللفظ له، ولم يزل العلماء يبدون من التأويلات التي يحتملُها الخِطاب في المآل بضربٍ من النظرِ والاستدلال ما لا تُحصى كثرتُه على تعاقُب الدهور والأعصار، ولا حَجْرَ إلا في التفسير المنصوص الذي بيَّنَ الشارعُ - صلى الله عليه وسلم - مرادَ اللهِ جلَّ جلالُه.
ولا شكَّ أَنَّ قولَ الجَماعةِ أرجَحُ من قولِ الشافعيِّ، ورُجحانُ غيرِه لا يمنعُ من ذكره.
* ثم أمرَ اللهُ سبحانه بإيتاءَ النساءِ صَدُقاتِهِنَّ.
فقيل بتخصيص الخطابِ للأزواج، وهو الظاهرُ؛ لسياقِ الخطاب معهم.
وانتصبَ (نِحلَةً) على المصدر؛ لأن النَّحْل في معنى الإيتاء، أي: عَطِيَّةً من الله سبحانه.
ويظهرُ لي انتصابُه على التمييز لنسبة الإيتاء؛ فإن النِّحْلَةَ: العطاءُ بغيرِ عِوَضٍ عن طيبِ نفسٍ من غيرِ مطالبةٍ، فالزوجُ مأمورٌ بإيتاءِ الصَّداقِ عن طيبِ نَفْسٍ، ومن غيرِ مطالَبةٍ، فإذا فعلَ ذلك، فكأنه أَنْحَلَها إيّاه، وأما ما يؤخذ بالخِصام، فلا يقال له: نِحْلة.
ويحتمل انتصابُه على المفعول لأجله، فالنِّحْلَةُ: الدِّيانَةُ، أي: تديُّنًا؛ لأجل الدِّينِ.
ويحتمل انتصابه على هذا التأويل على التمييز، ولهذا قال ابنُ عباس وغيرُه - رضي الله تعالى عنهم - في قوله: نِحْلَةً: فريضةً.
وقيل: إن الخطابَ مختصٌّ بالأولياء؛ لأن العربَ كانتْ لا تعطي النساءَ من المهورِ شيئًا إن كان الزوجُ من القبيلة، وإن كان غريبًا حملوها على بعيرٍ فقط، حتى يُمدَحَ كِرامُهم بتركِ الأخذِ، فقال: [من بحر الرجز]
لا يأخذُ الحُلْوانَ من بَناتِنا
والأمرُ يقتضي الوجوبَ على كل من التقديرات، فلا يجوزُ المواطأة على تركِه.