فحمل أهلُ الظاهر الأمرَ في هذا على الوجوب.
وحمله جمهورُ أهل العلم على الاستحباب مطلقًا.
وذهب بعضُ متأخِّري المالكية إلى تقسيمه إلى: واجبٍ، ومستحبٍّ،
ومباحٍ؛ بحسب ما يخشى من العَنَتِ.
* وأحل الله سبحانه أربعًا من النساء، وأما الزيادة فممنوعةٌ؛ لبيانه - صلى الله عليه وسلم - في غَيْلانَ لَمّا أسلم وتحته عَشْرُ نِسْوَةٍ:"أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وفارِقْ سائِرَهُنَّ".
وقال الشيعةُ: يجوز نكاحُ تِسعِ نِسْوَةٍ؛ لأن الواو موضوعةٌ للجمع.
وقد تمسك بهذا الظاهرِ بعضُ أهل الظاهر، فأباحَ ثماني عَشْرةَ، وذلك زيادة على ما خصّ به المصطفى المكرَّم - صلى الله عليه وسلم - ، فلا التفاتَ إليه.
فقيل: لا متمسكَ لهم؛ لأن معنى (مَثْنى مَثْنى) : ثنتان ثنتان إلى ما لا نهاية له؛ كما تقولُ: جاء القومُ مَثْنى مَثْنى، إذا جاؤوا اثنين اثنين، وإن كانوا ألفًا، وكذا معنى (ثُلاثَ ورُباع) ، فهذا اللفظ موضوعٌ لتفريق الأعداد، فوقفهم على هذا العدد تَحَكُّم يُخالِفُ لسانَ العرب.
وهذا الجوابُ ضعيفٌ؛ فإن ذلك ليس من خصائص هذا اللفظِ، بل لو قال: ادخلوا واحدًا واحدًا، لفُهم منه التفريقُ أيضًا، وليس هذا المثالُ محلَّ النزاع؛ لخلوِّه عن الواو، وإنما مثاله لو قال: خُذْ من الدراهم ثلاثَ
وثلاثَ، وهذا مما يجوز حملُه على الجمع، وليس موضوعًا للتفريق.
والذي أراه مَخْلَصًا من شُبْهَتهم: أنَّ (مثنى وثلاث ورباع) أحوالٌ من قوله تعالى: {مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] ، والحال لا يتعدَّدُ مع واوِ العطف الموضوعةِ للجمع، وإنما يتعدد بدونها، ومتى دخلت الواو على الأحوال المتعددة، كان من باب النعت؛ كقوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا} [آل عمران: 39] والنعت غير متصوَّرٍ هاهنا، فتعين حينئذ مجيءُ الواو للتخيير؛ كقولِ
الشاعر: [من الطويل]
وقالوا نأَتْ فاخْتَرْ بها الصبر والبُكا
أو للتقسيم كقولك: الكلمةُ اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ، وكقول الشاعر: [من الطويل]
كما الناسُ مَجْرومٌ عليه وجارِمُ
* إذا تَمَّ هذا، فالخطابُ عامٌّ في الأحرارِ والعبيد، وقد قدمتُ اندراجَ العبيدِ في خطاب الأحرارِ في قولِ أكثرِ أهل العلم. وعارضَ العمومَ قياسُ تشطيرِ العددِ على تشطير الحَدِّ.
وبالعموم أخذَ مالكٌ، وأبو ثورٍ، وأهلُ الظاهر.