وقد اختلف في الدعوة قبل القتال هل يؤمر بها أم لا؟ على ثلاثة أقوال، فقيل: يؤمر بها على الإطلاق. وقيل: لا يؤمر بها، وقيل: يؤمر بها إذا قوتل من لا يعلم ما يدعو إليه وتسقط في قتال من يعلم، وفي الآية حجة لمن يرى الدعوة في قوله تعالى: {فتبينوا} ، والتبيين وإن كان غير الدعوة، فالدعوة في مضمنه لأنه إذا بحث عنه هل هو مسلم أم لا لعله يسلم، أو هل هو طاعة أم لا؟ لعله يدخل في الطاعة ويرضى بالجزية. وتبين الشيء إنما هو معرفة حاله، ولا معنى للدعوة إلا تبين حال المدعويين على ما ثبت؟ وقال بعض
الناس: إن هذه المسألة مبنية على أن العقل ما خلا من سمع أو يجوز أن يكون خلا منه، وهي مسألة خلاف بين الأصوليين. واحتج من يقول: إنه ما خلا من سمع بقوله تعالى: {تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} [الملك: 8، 9] ، وبقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا} [الإسراء: 15] ، ومن ينكر القول بالعموم لا يسلم هذا الاستدلال وهذا البناء الذي بناه به الأصوليين بعيد؛ لأن قصارى ما فيه أنه ليس في الأرض أمة إلا وقد بلغها دعوة رسول ما، وقد يكون عند هؤلاء في الأرض قوم لم يعلموا ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ونبوته، ويظنون أنه طالب ملك، فتجب دعوتهم.
وقد اختلف الناس فيمن قاتل ولم يؤمر بقتاله إلا بعد دعوته فقتله فهل عليه ديته أم لا؟ فمذهب مالك وأبي حنيفة أن لا دية عليه. ومذهب الشافعي: الدية عليه. والحجة لمالك أن الله تعالى قد أمر بالتبين ولا معنى للدعوة عند التبيين، ولم يوجب على من قتل دون التبيين شيئًا ولم فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، فوجب التوقف عن ذلك.
(94) - قوله تعالى: {كذلك كنتم من قبل} :