وقوله تعالى: {فتحرير رقبة} ، يقتضي ابتداء عتقها من غير عقد حرية تقدمت فيها. ومن الناس من لم ير أنه يقضي ذلك، والأول أظهر لهذا. واختلفوا في جواز عتق المدبر في الرقاب الواجبة، فلم يجزه مالك، وأجازه الشافعي. واختلفوا أيضًا في المكاتب في الرقاب الواجبة، فلم يجزه مالك، وأجازه غيره، وفرق بين أن يكون أدى من كتابته شيئًا أم لا؟ فقالوا: إن لم يؤد شيئًا جاز عتقه. وإن أدى لم يجز عتقه. واختلف أيضًا في أم الولد، فلم يجزه الجمهور.
وأجازه طاووس والنخعي والحسن، وأظهر الأقوال قزل مالك ومن تابعه؛ لأن أم الولد والمكاتب والمدبر قد ثبت لهم عقد حرية لا سبيل إلى
دفعه. والله تعالى إنما ألزم من عليه عتق رقبة واجبة أن يبتدئ عتقها من غير عقد حرة تقدمت فيها قبل عتقها. فقال تعالى: {وتحرير رقبة} ، ولم يقل: (( بعض رقبة ) ). واختلفوا أيضًا في عتق المعتق إلى أجل فلم يجزه مالك وأجازه الشافعي. والحجة لمن أجازه في الرقاب لواجبة ما قدمناه. واختلفوا أيضًا في عتق من يجب على الإنسان عتقه إذا ملكه، كالوالد والولد فلم يجزه الأكثر، وأجازه أصحاب الرأي ودليل القول الأول ما قدمناه.
واختلفوا أيضًا في عتق رقبة من قال فيها: (( إن اشتريتها فهي حرة ) ).
والأظهر المنع من ذلك وهو مذهب مالط، وحجته ما قدمناه. واختلفوا أيضًا إذا عتق عن رقبة واجبة عليه عبدًا مشتركًا بينه وبين أحد، فلم يجز مالك في المشهور عنه، وهو قول أبي حنيفة وأجازه الشافعي ومالك على ما ذكره بعضهم عنه والأوزاعي إذا كان موسرًا ولم يجوزه إذا كان معسرًا.
وحجة المنع من ذلك أن أعتق نصف عبد لا عبدًا؛ لأن الشريك مخبر إن شاء قوم وإن شاء أعتق، والله تعالى إنما أمر بتحرير رقبة، وإن قوم عليه
شريكه فقد تبعض العتق. والله تعالى إنما أمر بتحرير رقبة، ومفهوم ذلك إعتاقها بمرة لا أن يعتق بعضها ثم بعد ذلك باقيها. ولا يجزئ عند مالك من تابعه: إعتاق رقبة في الواجبات إلا أن تكون سليمة من جميع العيوب الفاحشة والتي تنقصها مما تحتاج إليه من العناء. وأجاز داود إعتاق المعيب جملة.