وقد قال تعالى: {ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] الآية. وأما إن ضربه على وجه الحرج والدائرة ففيه روايتان، أحدهما:
أنه عمد وهو عن مالك. والثانية: شبه العمد، حكي ذلك العراقيون عن مالك. والأظهر في هذا أنه عمد؛ لأن عامد الضرب على هذا الوجه لا يبالي ما ترامت إليه ضرباته. ففي مضمن ذلك إذ القصد إلى النفس، وإن لم يتعمده، فذلك إذا عمدًا؛ لأن معنى العمد في القتل القصد إليه. والقصد إلى ما يفضي إليه قصد إليه، فهو إذًا عمد. وحكمه ما نص تعالى عليه في الآية بعد هذه. وأما قصد القتل، فهو عمد بلا خلاف، فالقتل إذا على ثلاثة أوجه، أحدها: أن لا يتعمد الضرب ولا القتل، فهو خطأ بلا خلاف. والثاني: أن يتعمد القتل، فهو عمد بلا خلاف. والثالث: أن يتعمد القتل فيفضي إلى القتل، ففي هذا اختلف الناس والقول يشبه العمد في ذلك يرده ما قدمناه وإنما هو خطأ أو عمد، وليس هذه بموضع ذكره.
(92) - وقوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} :
هذا لفظ يحتمل ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون تحرير الرقبة وتأدية الدية على غير القاتل. والثاني: أن يكون على القاتل. والثالث: أن
يكون أحدهما على القاتل والآخر على غيره. والأظهر من محتملاته أن يكون على القاتل، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أبان مراد الله تعالى في الآية، وأي وجه من وجوه محتملاتها قصد. وإن كان الأظهر من لفظها غير ذلك، فعرف أن الكفارة في مال قاتل الخطأ لا في مال غيره، وأن الدية على عاقلة القاتل. وأجمع الناس على ذلك، ولا شك أن إيجاب ذلك على العاقلة خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات. ولم يجب ذلك على العاقلة تغليظًا ولا لأن عليهم وزرًا من قلت غيرهم؛ ولكنها مواساة محضة. واعتقد أبو حنيفة أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل ديوان القاتل. وهذا بعيد، فإن نصرة الديوان غير لازمة. وإنما هي لاختيار من في الديوان، والأحسن ما عليه الجمهور في العاقلة.