ثم جاء فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فشق ذلك عليه فنزلت الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قم فحرر ) )، وقيل: نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، وكان يرعى غنمًا، فقتله وهو يتشهد، وساق غنمه فعنفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية. وقيل: نزلت في أبي حذيفة بن اليمان قتل يوم أحد، وقيل غير هذا.
-وقوله تعالى: {ومن قتل مؤمنًا خطئًا} :
في هذه الآية بيان ما على قاتل الخطأ من المؤمنين، والقتل عندنا عمدًا وخطأ. واختلف قول مالك في نوع ثالث: وهو شبه العمد، فعنه فيه روايتان، إحداهما: إثباته، وهو قول أبي حنيفة. والأخرى نفيه، ووجه هذه الرواية قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنًا خطئًا} ، فذكر الخطأ المحض، {ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا} فذكر العمد المحض، ولم يذكر ثالثًا.
والخطأ المحض الذي لم يختلف فيه أنه خطأ مثل أن يرمي شيئًا
فيصيب به إنسانًا فيقتله، أو يقتل المسلم في معركة العدو وهو يظنه كافرًا وما أشبهه، فهذا قتل خطأ بإجماع لا يجب فيه قصاص، وإنما تجب فيه الدية؛ كما قال تعالى لأنه لم يتعمد قتل مسلم ولا ضربه.
واختلف إذا تعمد الضرب ولم يتعمد القتل، وكان ذلك على وجه اللعب، فقيل: إن ذلك من الخطأ وهو قول ابن القاسم، وروايته عن مالك. وقيل: إن ذلك عمد وهو قول مطرف وابن الماجشون وروايتهما عن مالك. وقيل: إن معنى هذا القول أن يضربه على وجه اللعب دون أن بلاعبه صاحبه، وأن معنى القول الأول: إذا لاعبه، فرجع القولان إلى قول واحد والأظهر أنه خلاف أن لا فرق بين أن يلاعبه وأن لا يلاعبه، إذا علم أنه لم يضربه إلا على وجه اللعب. الثالث: أن ذلك شبه العمد، فيه الدية مغلظة، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك. وقد قيل: إن التفرقة بين أن يلاعبه وبين أن لا يلاعبه قول رابع في المسألة، وكذلك إذا كان الضرب على وجه الأدب ممن يجوز له الأدب كالمؤدب، ففيه ثلاثة الأقوال المذكورة. والأظهر في هذا كله أنه خطأ، لأن حقيقة الخطأ في القتل عدم القصد إليه، وفي الأدب واللعب كما قدمنا عدم القصد إلى القتل. فوجب أن يكون خطأ. ولفظ الخطأ يعم ذلك كله.