ومعنى: {أركسوا فيها} أرجعوا إلى ضلالة أي أهلكوا في الاختبار بما أوقعوا من الكفر، فحض تعالى بهذه الآية على قتل هؤلاء المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم إلى حال الآخرين المعتزلين الملقين السلم.
(92) - (94) - قوله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطئًا} إلى قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل اله فتبينوا} :
اختلف في تأويل قوله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا} ، فقيل: معناه: ما كان في إذن الله وأمره لمؤمن أن يقتل مؤمنًا. وقيل: معناه: ما كان ذلك له في عهد الله تعالى. وقيل: معناه ما كان
له فيما سلف كما ليس له الآن. ويحتمل أن يقال: إن (( كان ) )زائدة.
واختلف في الاستثناء بقوله: {إلا خطئًا} هل هو منقطع أو متصل؟ فذهب الأكثر إلى أنه استثناء منقطع ليس من جنس الأول؛ وهو الذي تكون فيه (( إلا ) )بمعنى: (( لكن ) )، والتقدير: لكن الخطأ قد يقع. وهذا يرد قول من لا يجيز الاستثناء المنقطع في الكلام، وبه يحتج من يجيزه.
وذهب بعضهم إلى أن الاستثناء استثناء متصل، قال: وذلك بأن تقدر (( كان ) )بمعنى استقر ووجد؛ كأنه قال ما وجد ولا استقر ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنًا، إلا خطئًا؛ إذ هو مغلوب فيه. وقيل: وجه اتصاله أن قوله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا} اقتضى مأثم قاتله، لاقتضائه النهي عن ذلك.
وقوله تعالى: {إلا خطئًا} رفع المأثم عن قاتله، فإنما دخل الاستثناء على ما تضمنه اللفظ الأول من المأثم على القتل مطلقًا، فاستثنى من ذلك قتل الخطأ. وقال آخرون أيضًا: هو استثناء صحيح وجائز للمؤمن أن يقتل المؤمن خطأ في بعض الأحوال، وهو أن يرى عليه لباس المشركين والانحياز إليهم، فيظنه مشركًا، فيقتله في هذا الوقت على هذا الوجه جائز، كما فعل بأبي حذيفة بن اليمان. وتقدير الآية على هذا: ولا يجوز لمؤمن أن يقل مؤمنًا إلى إذا غلب على ظنه أنه مشرك، فعبر عن ذلك الخطأ. واختلف فيمن نزلت الآية، فقيل: في عياش بن ربيعة المخزومي حين قتل الحارث بن يزيد ابن
نبيشة؛ وذلك أنه كان يعذبه بمكة، ثم لما أسلم الحارث وجاء مهاجرًا فلقيه عياش بن ربيعة بالحرة، فظنه باقيًا على الكفر فقتله.