وقال الطبري: الصواب أن العاطس مخير في هذه المحامد، وذكر عن أم سلمة أن رجلًا عطس عند النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله تعالى، فقال له:
(( يرحمك الله ) )، ثم عطس الثانية، فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فقال صلى الله عليه وسلم: (( ارتفع هذا على هذا سبع عشرة درجة ) ).
واختلفوا أيضًا في كيفية رد المشمت، فقالت طائفة: يرحمك الله، ويخصه بالدعاء على ما جاء في حديث أبي هريرة، وعلى ما جاء أيضًا من أن الله تعالى قال لآدم عليه السلام حين عطس لما فرغ الله تعالى من خلقه، قال له: يرحمك الله ربك. وقالت طائفة: يعم بالتشميت العاطس وغيره. وكان الحسن يقول: الحمد لله يرحمكم الله. وقالت طائفة: يقول: يرحمنا الله وإياكم. وتشميت المشمت تحية أيضًا، فينبغي أن يكون لها رد.
واختلفوا أيضًا في هذا الرد كيف يكون؟ فقالت طائفة: يقول: (( يهديكم الله ويصلح بالكم ) )، على حديث أبي هريرة الواقع في البخاري. وكان الشعبي يقول: يهديكم الله. وأنكرت طائفة أن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. واحتارت يغفر الله لنا ولكم. وقال مالك والشافعي: إن شاء قال: يهديكم الله ويصلح بالكم، وإن شاء قال: يغفر الله
لكم، لا بأس بذلك. وقال الطبري: لا وجه لمن أنكر يهديكم الله ويصلح بالكم، لأن الإخبار بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت من غيرها. واحتج الطحاوي لقول مالك بقوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية} الآية. فقال: إذا قال جوابًا لقوله: (( يرحمكم الله ) )، (( يغفر الله لكم ) ). فقد رد مثل ما حياه الله به.
وإذا قال: (( يهديكم الله ويصلح بالكم ) )، فقد حياه بأحسن مما حياه؛ لأن المغفرة إنما هي من الذنوب، والرحمة ترك العقاب عليها. ومن جعلت له الهداية وكان مهديًا، كان بعيدًا عن الذنوب. ومن أصلح باله وهو حاله فحاله فوق حال المغفرة، فكان ذلك أولى.
(90) - (91) - قوله تعالى: {إلا أن يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} الآية، إلى قوله: {وما كان لمؤمن} :