وقيل: ليس المراد هنا العبادة المعلومة وإنما المراد بها مواضع الصلاة وهي المساجد، والتقدير: لا تقربوا مواضع الصلاة ثم حذف؛ كقوله تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: 82] ، وروي هذا عن ابن عباس أيضًا، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه. والأكثر كما قدمنا على أن المراد به الصلاة، وهو قول أبي حنيفة. ومقتضى هذا القول تنزيه المساجد عما يتوقع من السكران من فحش المنطق وتلويث المسجد، ويقاس على هذا السباب فيها والدخول بالروائح المنتنة أو بالنجسات. ومن ذلك إنشاد الشعر فيها، وقد اختلف فيه. والأظهر جوازه إلا ما كان فيه من فحش. وكذلك
رفع الأصوات فيها بغير ذكر الله تعالى، وقد اختلف فيه أيضًا. وقد قال عمر: من أراد أن يغلظ أو ينشد شعرًا فليخرج إلى هذه الرحبة. وكذلك النوم فيها مختلف فيه، والأظهر جوازه لما ورد من الآثار في ذلك.
واختلف فيمن رأى في المسجد في ثوبه دمًا كثير هل له أن يخلعه فيه على قولين، أحدهما: أنه يجب أن يخرج ولا يخلعه فيه. والثاني: أنه يجوز له أن يخلعه ويضعه بين يديه ويغطيه، وقيل: المعنى لا يكن منكم سكر فيقع قرب الصلاة؛ إذ المرء مدعو إلى الصلاة. وهذا القول بأنها محكمة إنما يصح على القول ببطلان دليل الخطاب، إذ دليل خطاب الآية على هذا القول إباحة ما دون السكر أو السكر في غير الصلاة. والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة اختلفوا، فمنهم من قال بدليل خطابها، ورأى أن الآية نزلت قبل التحريم، فاقتضت عنده تحريم السكر في الصلاة خاصة، فرآها منسوخة بآية التحريم، وهي قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} [المائدة: 90] ، وهو مروي عن قتادة ومجاهد. ومنهم من رأى أن الآية إنما اقتضت النهي عن الصلاة في حال السكر، ثم ورد الأمر بالصلاة على كل حال، فإن كانوا لا يعقلون ما يقرأون وما يفعلون، فعليهم الإعادة، وإن كانوا يعقلون ذلك فعليهم أن يصلوا، وهذا قبل التحريم. فأم بعد التحريم، فيجب أن لا يفعلوا ذلك، أعني الشرب، فإن فعلوا فقد أساؤوا