واختلف في الرجل يمر بجنان غيره أو بغنمه هل له أن يأكل من الفاكهة ويشرب من اللبن إذا لم يكن محتاجًا إليه؛ لأن المحتاج لا خلاف أن له أن يأكل. فقيل: جائز له أن يأكل ويشرب لصديق كان ذلك أو لغير صديق، وقيل: أن كان لصديق كان له أن يأكل وإن لم يكن لصديق لم يكن له ذلك. قال بعضهم: وهذا أعدل الأقوال، وأولاها بالصواب، وهو قول الليث. وقيل: أن ذلك ممنوع، لصديق كان أو لغير صديق؛ لقوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} . وهذا من أكل المال بالباطل، وهو قول مالك، وقال بعضهم: وهذا في ثمر الحائط دون لبن الماشية؛ لحديث ابن عمر في لبن الماشية. وقيل: بل ذلك في ثمر الحائط ولبن الماشية سواء؛ لحديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه به، فإن أذن له فليحلب وليشرب، وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاث، فإن لم يجب أحد فليحلب وليشرب ) )، ولا يحتمل وإن كان على تلك الغنم أو الحائط
أجير وأخبره الأجير أنه أذن له في أن يطعم أو يسقى فهل يصدقه في ذلك. روايتان عن مالك. والأظهر أن لا يصدقه في ذلك؛ لأنه بذلك متعد على مال الغير، لأن صدقه لا يعلم فيكون من أكل المال بالباطل.
وقوله تعالى: {عن تراض} علق تعالى التجارة التي تنتقل بها الأملاك بالتراضي خاصة دون التفرق بالأبدان، فيأخذ مالك بهذا الظاهر، ورأى أن تمام التجارة التراضي بالألسنة، فإذا كان ذلك انخرمت التجارة ولم يكن لأحدهما بعد خيار. وبهذه الآية استدل أصحاب مالك وأبي حنيفة في المسألة المذكورة، ونظيره من الاستدلال استدلالهم أيضًا في ذلك بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} إلى آخر الآية [البقرة: 282] ، وزعموا أن تلك الآيات كلها