واحتج مجيزوه بهذه الآية، قالوا: لأن الله تعالى قد مثل بقنطار ولا يمثل تعالى إلا بمباح، وخطب عمر فقال: ألا لا تغالوا في صداق نسائكم، فإن الرجل يغالي حتى يكون ذلك في قلبه عداوة للمرأة، يقول: تجسمت إليك علق القربة وعرق القربة. فروي أن امرأة كلمته من وراء الناس فقالت: كيف هذا والله تعالى يقول: {وآتيتم إحداهن قنطارا} ، قال: فأطرق عمر رضي الله عنه، ثم قال: (( كل الناس أفقه منك يا عمر. ويروى أنه قال: امرأة أصابت ورجل أخطأ والله المستعان ) )، وترك الإنكار. وقال الذين ذهبوا إلى منع المغالاة: لا تعطي الآية جواز ذلك؛ لأن التمثيل جاء على
جهة المبالغة كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام: (( من بنى مسجدًا لله ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة ) )، فمعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة، وقد قال عليه الصلاة والسلام لابن أبي حدود وقد جاءه يستفتيه في مهر، فسأله عن المهر، فقال: مائتين، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (( كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل ... ) )الحديث.
(21) - وقوله تعالى: {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} :
يستدل به من أوجب المهر بالخلوة على ظاهر قول عمر: (( إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق ) )ولا حجة فيه لكون الإفضاء مختلفًا في تفسيره، وأن الآية لم يصدق شيء من هذا المعنى، ومع أن قوله تعالى: {من قبل أن تمسوهن} [البقرة: 237] ، يعم المخلو بها غيرها وما يوجب لها إلا نصف الصداق مهما لم يكن مسيس. وأيضًا فإن الإفضاء كأنه مأخوذ من الفضاء الذي هو السعة. والكناية عند العرب إنما تستعمل فيما