واعترض قوله من وجهين، أحدهما: أن الله تعالى قد أحل بملك اليمين ما شاء الإنسان من العدل. والثاني: أنه ليس بمعروف في اللغة عال يعول إذا كثر عياله، وإنما المعروف في ذلك عال يعيل، كذا قال بعضهم: وهي لغة معروفة. قال الكسائي: عال يعول بمعنى كثر عياله، فصيحة سمعتها من العرب.
(4) - وقوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} :
قيل: النحلة العطية على غير وجه المثوبة، وقيل: معنى النحلة فريضة. وقيل: معناه دينًا أي تعبدًا. وقيل: سميت نحلة لأنه قد كان
يجو ألا يعطين شيئًا فنحلهن الله تعالى ذلك. وقيل: لا تكون نحلة إلا فيما طابت به النفس لا فيما أكره عليه. وفي هذه الآية رد لقول من يرى الصداق عوضًا من البضع، وهو قول كثير من الناس.
والله تعالى قد سماه نحلة، والنحلة ما لم يعتض عليه، فهو نحلة من الله تعالى فرضها للزوجات على أزواجهن لا عن عوض الاستمتاع بها؛ لأن كل واحد منهما يستمتع بصاحبه، ولهذا المعنى يفتقر عقد النكاح إلى تسمية صداق. ولهذا استحب بعضهم أن يكتب في الصدقات عوض هذا ما أصدق، هذا ما نحل به فلان زوجه فلانة، ذكره ابن شعبان.
وفي هذه الآية دليل على أن النكاح لا يكون إلا بصداق، وليس الصدقات التي أمر الله تعالى بنحلها غير الأعيان الممتلكة. فأما ما لم يكن عينًا ممتلكًا، وإنما هو منفعة من المنافع التي لا تتملك كالإجارة على أن يحج بها أو نحوها، أو تعليم قرآن وشيء منه خلافًا للشافعي. وذكر اللخمي في النكاح عن الإجارة أو على أن يحج عن
المرأة ثلاثة أقوال: الكراهية عن مالك، والإجازة عن أصبغ، والمنع عن ابن القاسم؛ ثم قال: والقول بجواز جميع ذلك حسن؛ لأن الإجارة والحج كغيرهما من الأموال التي تتملك وتباع وتشترى، والصدقات في الآية على قوله: تجمع الأعيان والمنافع.
وقيل: سبب الآية أن الرجل كان يزوج أخته على أن يزوجه الآخر أخته ولا صداق لواحد منهما وهو الشغار، وهو عندي أدل دليل على أن النكاح لا يجوز بالمنافع. واختلف في المخاطبين بهذه الآية، فأكثر العلماء على أن المخاطب بها الأزواج. وقال بعضهم: هي للأولياء؛ لأن الولي كان يأخذ الصداق لنفسه.
(4) - قوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء من نفسًا} :