و لا شك أن كلام المخالف ليس ينقطع بذلك ، إلا أنه يقال:
ساق اللّه تعالى محرمات عدة مبهمة ، وليس فيها تقييد ، وجعل في آخرها تقييدا ، فالأصل اتباع العموم وترك المشكوك فيه ، والاحتياط للتحريم يقتضي ذلك فاعلمه.
وفي الناس من خص التحريم بالتي توصف بكونها ربيبة ، وقال:
إذا لم تكن في حجر الزوج ، وكانت في بلد آخر ، وفارق الأم بعد الدخول ، فله أن يتزوج بها ، وهذا قول علي «1» رضي اللّه عنه ، على ما يرويه عنه مالك بن أوس ، فإن صح هذا عنه «2» فيقال:
يجوز أن يكون اللّه تعالى قد أجرى ذلك على الغالب ، من غير أن تكون هذه الصفة شرطا في التحريم ، إلا أن عليا يقول: فإن كان كذلك وثبت ، فلم اعتبرتم هذا الوصف في قطع الشرط المذكور بعده عن الأول ، وإنما قطعتموه بتخلل هذا الوصف في قطع الربائب ، وفيه إبانة اتصال الوصف الثاني بالأول.
وأعلم أن قول اللّه تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) لم يستوعب المحرمات بالنسب والرضاع جميعا ، فإنا بينا أن الآية ما تناولت
(1) روى ابن أبي حاتم عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي ، فوجدت عليها فلقيني علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال: مالك؟ فقلت:
توفيت المرأة ، فقال: لها ابنة؟ قلت: نعم ، وهي بالطائف ، قال: كانت في حجرك؟
قلت: لا هي بالطائف. قال: فانكحها ، قلت: فأين قول اللّه: (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ؟) قال: انها لم تكن في حجرك ، انما ذلك إذا كانت في حجرك» أه.
(2) قال الحافظ ابن كثير: إسناده قوى ثابت إلى علي بن أبي طالب ، على شرط مسلم.
واليه ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه ، وحكاه أبو القاسم الرافعي ، عن مالك رحمه اللّه تعالى واختاره ابن حزم.