ولا يتهيأ لعاقل أن يقول إن الشرع يجعل زوجة الإنسان محرما لابنه حتى يجوز له أن يخلو بها ، ويسافر معها ، ويراها بمثابة أمه من الرضاعة والنسب بطريق العقوبة ، وإذا تقرر ذلك قال الشافعي رضي اللّه عنه:
فقال لي قائل: لم قلت: إن الحرام لا يحرم الحلال؟
قلت: قال اللّه تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) .
وقال: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) إلى قوله (دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) «1» ، أفلست تجد التنزيل إنما يحرم من سمى بالنكاح أو الدخول في النكاح؟
قال: بلى.
قلت: أفيجوز أن يكون اللّه تعالى حرم بالحلال شيئا ، وحرمه بالحرام ، والحرام ضد الحلال؟ والنكاح مندوب إليه ، مأمور به ، وحرم الزنا فقال: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) «2» .
فهذا تمهيد الدلالة من إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه ، وأشار بها إلى أن الشارع حرم زوجة الأب من غير دخول مثلا على الابن ، وإذا ثبت ذلك ، فإذا أردنا فهم المعنى منه لنلحق به ما سواه ، لم يكن فهم معنى التغليظ ، وإنما يفهم منه معنى الكرامة ، والكرامة إنما تليق بسبب مباح أو مندوب إليه ، فلا يتصور فهم معنى الكرامة في إثبات المحرمية ، وحليلة الأب والابن وأم المرأة ، ثم يقاس عليه الزنا الذي لا يليق به الكرامة ، فإنهما ضدان ، فلا يتعرف من أحدهما ضد مقتضاه في الآخر بطريق الاعتبار والقياس ، وهذا في نظر أهل الأصول والتحقيق من الضروريات ، فقال هذا الجاهل - أعني الرازي: -
(1) سورة النساء الآية 23.
(2) سورة الإسراء الآية 32.